تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
والكرم . أيها الناس ، ما أسلس قياد من كان الموت جريره ، وأبعد سداد من كان هواه أميره ، وأسرع فطام من كانت الدنيا ظئيره ، وأمنع جناب من أصبحت التقوى ظهيره . فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه حقّ تقواه ، وراقبوه مراقبة من يعلم أنّه يراه ، وتأهّبوا لو ثبات المنون ، فإنّها كامنة في الحركات والسّكون ، بينما المرء مسرورا بشبابه ، مغرورا بإعجابه ، مغمورا بسعة اكتسابه ، مستورا عنه ما خلق له بما يغرى به ، إذ سعّرت فيه الأسقام شهابها ، وأعلقت به ظفرها ونابها ، فسرت فيه أوجاعه ، وتنكَّرت عليه طباعه ، وأظلّ رحيله ووداعه ، وقلّ عنه منعه ودفاعه ، فأصبح ذا بصر حائر « 1 » ، وقلب طائر ، ونفس غابر « 2 » ، في قطب هلاك دائر ، قد أيقن بمفارقة أهله ووطنه ، وأذعن بانتزاع روحه من بدنه ، فأومأ إلى حاضر عوّاده ، موصيا لهم بأصغر « 3 » أولاده ، والنفس بالسياق تجذب ، والموت بالفواق « 4 » يقرب ، والعيون لهول مصرعه تسكب ، والحامّة تعدّد عليه وتندب ، حتى تجلَّى له ملك الموت - صلَّى اللَّه عليه - من حجبه ، فقضى فيه قضاء أمر به ، فعافه الجليس ، وأوحش منه الأنيس ، وزوّد من ماله كفنا ، وحصل في الأرض « 5 » بعمله مرتهنا ، وحيدا على كثرة الجيران ، بعيدا على قرب المكان ، مقيما بين قوم كانوا فزالوا ، وجرت عليهم الحادثات فحالوا ، لا يخبرون بما إليه آلوا ، ولو قدروا على المقال لقالوا ، قد شربوا من الموت كأسا مرّة ، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرّة ، وآلى عليهم الدهر أليّة برّة ، ألَّا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرّة ، كأنهم لم يكونوا للعيون قرّة ، ولم يعدّوا في الأحياء مرّة ، أسكتهم واللَّه الذي أنطقهم ، وأبادهم الذي خلقهم ، وسيجدّهم كما أخلقهم « 6 » ، ويجمعهم بعد ما
شرح
« 1 » م : حاسر . « 2 » م : ونفس طائر غائر . « 3 » م : بأصاغر . « 4 » م : بالفراق . « 5 » م : القبر . « 6 » وسيجدهم كما أخلقهم : من م وحدها .