تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
إلى الكلام ، أو إلى رجز يوم الخصام ، أو حين يمتح على رأس بئر أو يحدو ببعير ، أو عند المقارعة أو المناقلة ، أو عند صراع أو في حرب ، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب ، وإلى العمود الذي إليه يقصد ، فتأتيه المعاني أرسالا ، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا ، ثم لا يعيده « 1 » على نفسه ، ولا يدرسه أحد من ولده . وكانوا أمّيين لا يكتبون ، ومطبوعين لا يتكلَّفون ، وكأنّ الكلام الجيّد عندهم أكثر وأظهر ، وهم عليه أقدر وله أقهر ، وكلّ واحد في نفسه أنطق ، ومكانه في البيان أرفع . وخطباؤهم [ للكلام ] أوجد « 2 » ، والكلام عليهم أسهل ، وهو عندهم « 3 » أيسر من أن يفتقروا إلى تحفّظ ، ويحتاجوا إلى تدارس ؛ وليس هم كمن حفظ علم غيره ، واحتذى على كلام من كان قبله ، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم ، والتحم بصدورهم ، واتّصل بعقولهم من غير تكلَّف ولا قصد ولا تحفّظ ولا طلب . وإن شيئا هذا الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب ، وهو اللَّه المحيط بما كان ، والعالم بما سيكون . ونحن إذا ادّعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز ، ومن المنثور والأسجاع ، ومن المزدوج وما لا يزدوج ، فمعنا على ذلك لهم شاهد « 4 » صادق من الديباجة الكريمة ، والرّونق العجيب ، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير والشيء « 5 » القليل . ونحن لا نستطيع أن نعلم أنّ الرسائل التي في أيدي الناس للفرس صحيحة غير مصنوعة ، وقديمة غير مولَّدة ، إذ كان مثل ابن المقفّع وسهل بن هارون وأبي عبيد اللَّه وعبد الحميد وغيلان يستطيعون أن يولَّدوا مثل تلك
شرح
« 1 » البيان : يقيده . « 2 » م : أوجه . « 3 » البيان : عليهم . « 4 » البيان : فمعنا العلم أن ذلك لهم شاهد . « 5 » البيان : والنبذ ( وفي بعض أصوله : والشيء ) .