قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف ، وحمائل سيفه من ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف وكأنّ جبينه ثفنة بعير ، فقال :
الحمد للَّه الذي إليه مصائر الخلق وعواقب الأمر ، نحمده على عظيم إحسانه ، ونيّر برهانه ، ونوامي فضله وامتنانه ، حمدا يكون لحقّه قضاء ، ولشكره أداء ، وإلى ثوابه مقرّبا ، ولحسن مزيده « 1 » موجبا ، ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطَّول ، مذعن له بالعمل والقول ، ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا ، وأناب إليه مؤمنا ، وخضع « 2 » له مذعنا ، وأخلص له موحّدا ، وعظَّمه ممجّدا ، ولاذ به راغبا مجتهدا ، لم يولد « 3 » سبحانه فيكون في العزّ مشاركا ، ولم يلد فيكون موروثا هالكا ، ولم يتقدّمه وقت ولا زمان ، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم ، فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطَّدات بلا « 4 » عمد ، وقائمات بلا سند ، دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات .
ومنها : أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الذي ألبسكم الرياش ، وأسبغ عليكم المعاش ، فلو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلَّما أو لدفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود ، عليهما السلام ، الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النبوة وعظيم الزّلفة ، فلما استوفى طعمته ، واستكمل مدّته « 5 » ، رمته قسيّ الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطَّلة ، ورثها قوم آخرون . وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة : أين العمالقة وأبناء العمالقة ؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ؟ أين أصحاب مدائن الرسّ الذين قتلوا النبيّين ، وأطفأوا سنن المرسلين ،
شرح
« 1 » ر : ولمزيده .
« 2 » نهج : وخنع .
« 3 » ر : يولد له .
« 4 » م : بغير .
« 5 » م : رزقه ومدته .