تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وفي هذا صور متنوعة من السيرة النبوية في مكائد اليهود وحالات مرضى القلوب ومجاهدة النبي صلى اللَّه عليه وسلم بين ذلك كله . والشدة في الإنذار والتقريع تلهم أن أثر الارتداد كان شديدا في نفس النبي صلى اللَّه عليه وسلم والمسلمين سواء أكان من اليهود أم من العرب . ولعلّ هذا يفسر ما أثر من حديث نبوي صحيح في حلّ دم المرتد إذا لم يتب على ما شرحناه في سياق الآية [ 219 ] من سورة البقرة . ولقد تعددت تأويلات المفسرين لمفهوم الآية [ 90 ] الذي يمنع قبول توبة الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا . فقال بعضهم إنها تعني أن لا تقبل توبتهم ما داموا مشتدين في كفرهم . وقال بعضهم لا تقبل منهم أعمال خير وهم على كفرهم وهذا وذاك من تحصيل الحاصل . وقال بعضهم لا تقبل توبتهم حين الظفر بهم لأن توبتهم تكون غير صادقة . وقال بعضهم لا تقبل توبتهم إذا تابوا حين الموت ( 1 ) . وقد يكون في القولين الأخيرين الوجاهة والصواب . وفي سورة النساء آيات تؤيد القول الأخير خاصة حيث جاء فيها : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّه عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّه عَلِيماً حَكِيماً ‹ 17 › وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ‹ 18 › . ويتبادر لنا إلى ذلك أن أسلوب الآية والآية التي تليها هو أسلوب تعبيري في صدد شدة الإنذار تتناسب مع فظاعة العمل . والمتبادر أن تعبير * ( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِه ) * هو تعبير مستمد من شدة تقدير قيمة الذهب في أذهان السامعين بقصد التعبير عن
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآية في الطبري والخازن وابن كثير والطبرسي والبغوي .
التفسير الحديث — صفحة 187 | محمد عزة دروزة