والإعلان والتقرير اللذان احتوتهما الآيات قويان رائعان ونافذان إلى الأعماق بحيث لا يمكن إلا أن يتأثر بهما من كان ذا عقل سليم وقلب طاهر ونية حسنة ورغبة صادقة في الحق والهدى لا يجمد أمامهما ويكابر إلَّا مريض القلب خبيث الطوية . والآيات تلهم أن موقف النبي هو موقف المستعلي الفائز الذي هزم خصمه بعد أن ألزمه الحجة .
والآية الثانية قد ورد مثلها في سورة البقرة في سياق الحجاج مع اليهود .
وذلك في الآية [ 136 ] بفروق يسيرة . قد لا يتبين للمرء حكمتها فيجب إيكالها إلى علم اللَّه . ويلحظ أن آية البقرة بدأت بكلمة قُولُوا خطابا للمسلمين وآية آل عمران بدأت بكلمة * ( قُلْ ) * خطابا للنبي صلى اللَّه عليه وسلم كما هو المتبادر . ولعل في هذا شيئا من تلك الحكمة واللَّه تعالى أعلم . وقد شرحنا مداها في سورة البقرة فلا نرى ضرورة للإعادة والزيادة .
ولقد تعددت التأويلات التي يرويها ويقولها المفسرون لجملة * ( وَلَه أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) * منها أن المسلمين يكونون قد أسلموا طوعا وأن الكافرين سيعرفون الحقيقة حينما يرون مصداق نذر اللَّه فيسلمون كرها ولا يكون إسلامهم نافعا لهم . ومنها أنها بمعنى أن جميع من في السماوات والأرض خاضع له مسخر لأمره داخل في نطاق قدرته وحكمه النافذ دون أن يتوقف ذلك على رضائهم وكرههم . والمتبادر أن العبارة أسلوبية . وقد يكون القول الثاني هو الأكثر وجاهة . وشيء من نوعها ورد في بعض آيات مكية ( 1 ) ، واللَّه تعالى أعلم .
كَيْفَ يَهْدِي اللَّه قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‹ 86 › أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّه وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‹ 87 › خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ‹ 88 › إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ‹ 89 › إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ‹ 90 ›
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِه أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ‹ 91 › .
هامش
( 1 ) آيات سورة الرعد [ 15 ] والإسراء [ 44 ] وفصلت [ 11 ] .