تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
والآية في حد ذاتها جملة تامة محكمة . ولذلك أفردناها لحدتها . وقد احتوت تعليما في آداب الصدقات موجها إلى السامعين الذين هم المسلمون أو الذين منهم المسلمون . وقد جاء هذا الأدب بأسلوب آخر في آية سورة البقرة [ 267 ] وهو وجوب التصدق من طيب ما في حيازة المتصدق وطيب كسبه وكراهيته التصدق بالرديء غير المحبب إلى صاحبه . وأسلوب الآية هنا قوي يجعل هذا الشرط واجبا . وهو أقوى من أسلوب آية البقرة وفيه توكيد للتلقين الجليل الذي نبهنا عليه في سياق تفسير سورة البقرة . ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن هذا الشرط يتناول الزكاة ونوافل الصدقات معا . وإطلاق الآية يلهم ذلك . وهذا متسق مع المبادئ القرآنية العامة التي تأمر بالإحسان في جميع الأعمال أيضا . وهناك أحاديث تذكر ما كان من تأثر بعض أصحاب رسول اللَّه بهذه الآية . من ذلك حديث رواه البخاري والترمذي عن أنس قال : « كان أبو طلحة أكثر أنصاري المدينة نخلا . وكان أحبّ أمواله إليه ( بيرحا ) وكانت مستقبلة المسجد . وكان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب . فلما نزلت الآية قال يا رسول اللَّه إنّ اللَّه يقول لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبون . وإنّ أحبّ أموالي إليّ ( بيرحا ) وإنها لصدقة للَّه أرجو برّها وذخرها عند اللَّه فضعها يا رسول اللَّه حيث أراك اللَّه . فقال : بخ بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين . قال أفعل يا رسول اللَّه فقسمها في أقاربه وبني عمّه « ( 1 ) . ومن ذلك حديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال : « أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم يستأمره فيها فقال يا رسول اللَّه إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قطَّ هو أنفس عندي منه فما تأمرني به ؟ قال : إن شئت حبّست أصلها وتصدّقت بها فتصدّق بها على أن لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا تورث ولا توهب . وتصدّق بها عمر في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل اللَّه وابن السبيل والضيف . وعلى أن لا
هامش
( 1 ) التاج ، ج 4 ص 71 ، والمتبادر أن أقاربه كانوا فقراء .