تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
بمجموعها ملموحة ، من شأنها إثارة الخوف والقلق في الكفار ، والطمأنينة والرضاء في المؤمنين ، وهو مما استهدفته فيما استهدفته . والآية [ 109 ] وهي تذكر أن الشفاعة في ذلك اليوم لا تنفع إلا الذين رضي اللَّه تعالى عنهم ولا تكون إلا بإذنه تنطوي على قصد قطع الطريق على المشركين الذين كانوا يشركون شركاء مع اللَّه وخاصة الملائكة في العبادة والدعاء بقصد نيل شفاعتهم عنده . بل وعلى قصد الطريق على الناس عامة الذين اعتادوا أن يقضوا رغباتهم بالاستشفاع بغير اللَّه من أنبياء وأولياء دون السعي والعمل والقيام بالواجب نحو اللَّه والناس مما فيه تلقين مستمر . ومما تكرر بأساليب متنوعة بسبب امتلاء ذهن المشركين الأولين والناس عامة به . وقد مرت منه بعض الأمثلة ومن ذلك في الآيات الأخيرة من سورة مريم السابقة لهذه الآية .
وهذه الجملة في مقامها تنطوي على تنبيه مهم وهو أن العمل الصالح الذي يفيد صاحبه وينجيه من سوء المصير في الآخرة هو الذي يجب أن يكون صادرا عن إيمان باللَّه واليوم الآخر . والحكمة المتبادرة من هذا هي التنبيه على أن العمل الصالح الذي لا يكون صاحبه مؤمنا لا يكون خالصا من كل شائبة ومأرب . ويكون معرضا للانتكاس والانقطاع . وعلى أن الإيمان فقط هو الذي يحفز صاحبه على العمل الصالح الخالص من الشوائب والمآرب . والمبتغى به وجه اللَّه تعالى دون انتظار جزاء ومقابلة وشكر من أحد غير اللَّه . وفي هذا ما فيه من تلقين جليل المدى يتسامى به المؤمن عن أي جزاء دنيوي عن أعماله الصالحة . ويجعله لا يهتم إلَّا برضاء اللَّه تعالى عنه . ويقدم على التضحيات والمشاق في سبيل ذلك في كل ظرف . وقد تكرر تقرير هذا كثيرا في القرآن لما له من خطورة متصلة بحياة الإنسان والإنسانية والتربية الإسلامية السامية فضلا عن الحقيقة المنطوية فيه .
التفسير الحديث — صفحة 208 | محمد عزة دروزة