وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله - يعني إمامنا أحمد - ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة ويسكت عن الكلام في أهل البدع ؟ فكلح وجهه وقال : إذا هو صام وصلى واعتزل الناس أليس إنما هو لنفسه ؟ قلت : بلى قال : فإذا تكلم كان له ولغيره يتكلم أفضل .
فلنذكر الآن وفاة الوالد السعيد .
توفي ليلة الاثنين بين العشاءين تاسعة عشر رمضان من سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وصلى عليه أخي أبو القاسم يوم الاثنين بجامع المنصور .
وقيل : إنه لم ير في جنازة بعد جنازة أبي الحسن القزويني الزاهد الجمع الذي حضر جنازته فلما أصحر المشيعون لجنازته إلى حفرته بمقبرة إمامنا أحمد : لحقهم الحر الشديد فأفطر جماعة لم يسمحوا بالرجوع وكان قد حضره عالم كثير جداً يفوت الإحصاء .
وقد روى أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من رجل يموت فتصلي عليه أمة من الناس يبلغون المائة فيشفعون فيه إلا شفعوا " .
وروى أبو أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المقة من الله عز وجل والصيت في السماء فإذا أحب الله عبداً قال : يا جبريل إن ربك يحب فلاناً فأحبه فينادي جبريل فينزل له المقة على الأرض " .
فلقد انتقض السؤدد بمصابه وانثلم المذهب بذهابه فهو كما قيل :
اليوم مات نظام الفهم واللسن * ومات من كان يعديني على الزمن
وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت * شمس المكارم في غيم من الكفن
وكما قيل :
وليس نسيم المسك رشح حنوطه * ولكنه ذاك الثناء المخلف
وليس صرير النعش ما تسمعونه * ولكنها أصلاب قوم تقصف
طبقات الحنابلة — صفحة 216
مساهمون: محمد بن أبي يعلي
ص٢١٦