وكما قيل :
للموت كم يبلى بجدته * في كل يوم حكيماً ما له خلف
أصاب قصداً هلالاً في تكامله * وبحر منطقه ما ليس يغترف
لم يبله الدهر ما دامت بدائعه * تطوى على جمعها الأحشاء والصحف
ومن نظر في تصنيفه قدس الله روحه ممن له فهم وتيقن وعلم وتدين : علم أنه يعجز عنه من يروم تصنيف مثله ويفضح فيه من يتعاطى حذو قوله إذ كلامه السحر الحلال والعذب الزلال والسهل الممتنع والقريب المستصعب إذ هو نسيج وحده زهداً وأدباً ورواية وأرباً وفريد عصره سؤدداً ونبلاً وفقهاً وجدلاً فهو كما قيل :
مات البديع وغارت درة الفطن * واستدرج الموت بحر الفضل في كفن
لله در المنايا ما صنعن به * وما تضمنت الأكفان من بدن
وكما قيل :
تقصت بشاشات المجالس بعده * وودعنا إذ ودع الإنس والعلم
وقد كان نجم العلم فينا حياته * فلما انقضت أيامه أفل النجم
وكما قيل :
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى * في الناس منه ولا من علمه خلفا
وقال تلميذه علي بن أخي نصر يرثيه :
أسف دائم وحزن مقيم * لمصاب به الهدى مهدوم
مات بحل الفراء أم رجت الأر * ض أم البدر كاسف والنجوم ؟
لهف نفسي على الإمام حوى الفض * ل وهو بالمشكلات عليم
خلق طاهر ووجه منير * وطريق إلى الهدى مستقيم
كان للدين عدة ولأهل الدي * ن عدة في النائبات خل حميم
من يكن للدرس بعدك أم * من لجدال المخالفين يقوم ؟
طبقات الحنابلة — صفحة 217
مساهمون: محمد بن أبي يعلي
ص٢١٧