يقولوا : آمنا وهم لا يفتنون ؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين .
فلم يخل جل ثناؤه أحداً من مكرمي رسله وأنبيائه ومقربي أصفيائه وأوليائه من محنة في عاجلته دون آجلته يستوجب بصبره عليها ما أعد له من الدرجات التي قسم مصيره إليها وجعل سبحانه علماء الأمم الماضين خلفاء أنبيائهم المرسلين والقوام بما جاءوا به من الدين يرخصون عن أحكامه ويحامون عن حدوده وأعلامه يدفعون عنه كيد الشيطان ويحرسونه من الترك والنسيان لا يصدهم عن التمسك بالحق ولا يثنيهم عن التعطف على الخلق : سوء ما به ينالون توخياً لثواب الله الذي له يطلبون وفيه يرغبون .
ثم جعل سبحانه علماء هذه الأمة أفضل علماء الأمم قسماً وأوفرهم من الخيرات حظاً أعد لهم الكرامات وقسم لهم المنازل والدرجات مع ابتلائه سبحانه لمؤمنيهم بالمنافقين ولصادقيهم بالمكذبين ولخيارهم بالأشرار ولصالحيهم بالفجار وللأماثل الرفعاء بأوضع السفهاء فلم يكن يثني العلماء ما يلقونه من الأذى عن القيام بحقوق الله تعالى في عباده وإظهار الحق في بلاده .
ولقد كان الوالد السعيد - نضر الله وجهه - ممن سلك به هذه الطريق عندما ابتلي به من أذية هذا الفريق وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " طوبى للغرباء طوبى للغرباء قيل : يا رسول الله من الغرباء ؟ قال : ناس صالحون قليل بين ناس سوء كثير من يبغضهم أكثر ممن يطيعهم " رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما .
ومن تظاهر بإنكار البدع : فسبيله أن يصبر على أذية المخالفين محتسباً عند الله عز وجل وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن موكل به أربعة : مؤمن يحسده وفاسق يبغضه وكافر يقاتله وشيطان يكيده " .
طبقات الحنابلة — صفحة 213
مساهمون: محمد بن أبي يعلي
ص٢١٣