تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوائد الأصول من إفادات الميرزا محمد حسين الغروي النائيني — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
التخصيص والرجوع إلى استصحاب حكم الخاص عند الشك في مقداره ، بل لو لم نقل بحجية الاستصحاب كان المرجع سائر الأصول العملية ، لا عموم العام . والحاصل : أن محل الكلام إنما هو فيما إذا كان عام أفرادي يستتبع عموم زماني ، فالعموم الزماني إنما يكون في طول العموم الافرادي ومتأخر عنه رتبة ، سواء كان مصب العموم الزماني نفس الحكم الشرعي أو متعلقه . غايته أنه لو كان مصب العموم متعلق الحكم كان الحكم واردا على العموم الزماني كوروده على المتعلق ، فيكون تحت دائرة الحكم ، ولأجل ذلك صح أن يكون نفس دليل الحكم متكفلا لبيان العموم الزماني كتكفله لبيان العموم الافرادي ، فعند الشك في التخصيص أو في مقداره يتمسك بعموم الدليل . وأما لو كان مصب العموم نفس الحكم كان العموم الزماني واردا على الحكم وواقعا فوق دائرة الحكم ، ولأجل ذلك لا يصح أن يكون دليل الحكم متكفلا لبيان العموم الزماني ، بل لابد من التماس دليل آخر يدل على عموم أزمنة وجود الحكم ، فعند الشك في التخصيص أو في مقداره لا يجوز التمسك بما دل على العموم الزماني ، لان الدليل إنما كان متكفلا لعموم أزمنة وجود الحكم ، فلا يتكفل أصل وجود الحكم . والشك في التخصيص الزماني يستتبع الشك في وجود الحكم ، فلا يصح التمسك بعموم ما دل على العموم الزماني ( 1 ) ففي مثل قوله تعالى : " أوفوا
هامش
( 1 ) أقول : إذا كان مصب العموم الزماني في نفس الحكم ، فلا شبهة في أن مرجع ذلك إلى أخذ العموم قيدا للحكم ، ولازمه كون الحكم الذي هو مركز هذا القيد مهملة عارية عنه ، كما هو الشأن في رجوع كل قيد إلى المقيد ، إذ لا محيص من أخذ القيد مهملا بالنسبة إلى هذا القيد ، كما هو الشأن أيضا في كل موضوع إلى محموله ، وحينئذ الاستمرار والدوام من عوارض الطبيعة المهملة التي يطرء عليه العموم من حيث الفرد تارة والزمان أو المكان أخرى ، فالعموم زمانا ملازم لوجود ما هو مهملة من هذه الجهة في الزمان الثاني والثالث ، فهذه الوجودات في الأزمنة المتعددة مستفادة من استمرار الطبيعة ، لا من نفسها . وحينئذ فالشك تارة ، يتعلق بأصل الطبيعة التي هي موضوع هذا الاستمرار وكانت مهملة محضة ، وأخرى : يتعلق بتوسعة وجود المهملة وسرايته بحسب الأزمنة المتمادية . ففي الصورة الأولى : دليل الاستمرار لا يتكفل لاثبات وجود ، لأنه وارد على الحكم في ظرف الفراغ عن وجوده ، فلابد حينئذ من إحرازه بدليل آخر متكفل لنفس الحكم . واما الصورة الثانية : فأصل الحكم بنحو الاهمال محرز بدليله حسب الفرض ، وإنما الشك في سعة الحكم من جهة الزمان ، ففي هذه الصورة لا يكون المتكفل لرفع هذا الشك إلا دليل الاستمرار بعد الفراغ عن وجود موضوعه - من الطبيعة المهملة - بدليل أو قرينة أخرى . وحينئذ فما أفيد : من أن الاستمرار من قبل المحمول بالنسبة إلى الحكم في غاية المتانة ، ولكن هذا الموضوع ليس إلا الحكم المهمل والطبيعة المهملة من تلك الجهة ، لا الطبيعة السارية في ضمن كل وجود في كل زمان ، بل مثل هذا السريان الحاكي عن انبساط وجود الحكم في كل زمان عين المحمول . وحينئذ يسئل عما أفيد : من أن الشك في التخصيص الزماني منشأ للشك في نفس الحكم ، بأنه ما المراد من هذا الحكم المشكوك ؟ . فان أريد به وجوده المستفاد من سريان الطبيعة إلى الأزمان ، فرافع هذا الشك لا يكون إلا ما هو متكفل لاثبات العموم الزماني بلا احتياج إلى دليل آخر ، بل الدليل الآخر غير متكفل لاثباته ، كيف ! وإثباته مستتبع للغوية دليل الاستمرار . وإن أريد من الحكم المشكوك الحكم المهمل والطبيعة المهملة التي هو مركز هذا العموم ومعروضه ، فلا شبهة في أن الشك في استمراره غير ملازم للشك في وجوده ، إذ الدليل المتكفل لاثبات الطبيعة مفروض الثبوت بنحو لولا هذا العموم لا يكون متكفلا إلا لاثبات الحكم للمورد مهملة ، فهذا العموم الزماني تثبت تعميمه من حيث الزمان . ولئن شئت توضيح ما ذكرنا ، فنفرض الكلام في المثال المعروف : من " أوفوا بالعقود " إذ له جهتان : عموم أفرادي كان شأنه إثبات الحكم لكل فرد من العقد بنحو الاهمال من حيث الزمان ، وعموم زماني يقتضي تعميم حكم كل فرد من حيث الزمان ، ومن البديهي : أن عمومه الأزماني تبع عمومه الافرادي ، إذ ما لم تثبت الحكم لكل فرد يستحيل تحقق عموم زماني له ، لأنه وارد عليه ورود الحكم على موضوعه . ولكن نقول : إن الشك في حكم الفرد تارة : من جهة احتمال تخصيص العموم الفردي ، ففي مثل ذلك يستحيل على فرض هذا التخصيص ثبوت الحكم لهذا الفرد في زمان دون زمان ، بل مرجعه إلى فقدان الفرد المزبور للحكم إلى الأبد ، لان مرجع تخصيص الفرد إلى عدم ثبوت الطبيعة لهذا الفرد وخروج الفرد المزبور عن مصب الحكم للتالي ، فالتخصيص بحسب الأزمان على وجه يصلح للتفكيك بين الأزمان في حكم الفرد المزبور فرع دخول الفرد في العموم الافرادي ، فمثل هذا التخصيص كتعميمه أيضا تبع عمومه أفرادا ، وحينئذ إذا خرج فرد من الخطاب ويحتمل خروجه للتالي أو في زمان خاص ، فلا شبهة في عدم العموم الأزماني بدوا ، واما عمومه الافرادي بالنسبة إلى ثبوت الحكم في الجملة محكم ، فإذا ثبت هذا المقدار بالعموم الافرادي فيرجع إلى العموم الأزماني لاثبات بقية الأزمنة ، وحينئذ كيف ينتهي الامر فيه إلى الاستصحاب ؟ وإلى ذلك نظر من أنكر على الشيخ في مصيره في مثل " أوفوا بالعقود " إلى الاستصحاب عند الشك في خروج الفرد في زمان مع احتمال وجود الحكم فيه في زمان آخر . نعم لا يجري إلى العموم زمانا لو كانت القضية متكفلة لاثبات الحكم الشخصي المستمر مع فرض ظرفية الزمان ، وذلك أيضا في صورة تقطيع الحكم وسطا ، لا أولا ولا آخرا ، كما أفاده العلامة الأستاذ . وما أفيد في شرح كلام الشيخ ليس بيانا جديدا ، كما لا يخفى .