الحمد لله الذي لا يفره المنع ، ولا يكديه الاعطاء ( 1 ) إذ كل معط منتقص
سواه ، الملئ بفوائد النعم وعوائد المزيد ، وبجوده ضمن عيالة الخلق ، فأنهج سبيل
الطلب للراغبين إليه ، فليس بما سئل أجود منه بما لم يسأل ، وما اختلف عليه دهر
فيختلف منه الحال ، ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداف
البحار من فلذ اللجين ( 2 ) وسبائك العقيان ونضائد المرجان لبعض عبيده ، لما أثر
ذلك في وجوده ولا أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الافضال ما لا ينفذه
مطالب السؤال ( 3 ) ولا يخطر لكثرته على بال ، لأنه الجواد الذي لا تنقصه المواهب ،
ولا ينحله إلحاح الملحين ( 4 ) ( وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ( 5 )
هامش
( 1 ) وفريفر كوعد يعد من الوفور بمعنى الكثرة أي لا يوجب المنع كثرة في خزائنه ،
وفي نسخة ( ب ) و ( و ) و ( د ) و ( ج ) ( لا يغيره المنع ) . والإكداء بمعنى الإفقار والتقليل أي
لا يوجب الاعطاء فقرا وقلة فيها .
( 2 ) الفلذ بكسر الفاء وسكون اللام آخره الذال كبد البعير جمعه الأفلاذ ، وأفلاذ
الأرض كنوزها ، أو بكسر الأول وفتح الثاني جمع الفلذة بمعنى الذهب والفضة ، وفي نسخة
( د ) و ( ب ) وفي البحار بالزاي المشددة في آخر الكلمة وهو اسم جامع لجواهر الأرض كلها ،
واللجين مصغرا بمعنى الفضة .
( 3 ) السؤال كالتجار جمع السائل .
( 4 ) ينحله من الانحال أو التنحيل بمعنى الاعطاء أي لا يعطيه إلحاح الملحين شيئا يؤثر
فيه ، بل يعطي مسألة السائلين أو يمنعها حسب المصلحة ، وهذا نظير ما في آخر دعاء الجوشن
الكبير : ( يا من لا يبرمه إلحاح الملحين ) وإن كان الالحاح في السؤال لله تعالى ممدوح كما
ورد في الحديث ، وفي البحار باب جوامع التوحيد وفي نسخة ( ب ) و ( ج ) بالباء الموحدة
والخاء المعجمة من البخل على بناء التفعيل أي لا يصيره بخيلا أو على بناء الأفعال أي لا
يجده بخيلا .
( 5 ) في حديث رواه في آخر الباب التاسع ( أن موسى على نبينا وآله وعليه السلام
سأل ربه فقال : يا رب أرني خزائنك ، فقال تعالى : يا موسى إنما خزائني إذا أردت شيئا
أن أقول له كن فيكون ) .