الذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسي كرامته ، وطول ولههم إليه وتعظيم
جلال عزه ، وقربهم من غيب ملكوته أن يعلموا من أمره إلا ما أعلمهم ، وهم من
ملكوت القدس بحيث هم من معرفته على ما فطرهم عليه أن قالوا : ( سبحانك لا علم
لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) ( 1 ) .
فما ظنك أيها السائل بمن هو هكذا ، سبحانه وبحمده ، لم يحدث فيمكن
فيه التغير والانتقال ، ولم يتصرف في ذاته بكرور الأحوال ( 2 ) ولم يختلف عليه
حقب الليالي والأيام ( 3 ) الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ولا مقدار احتذى
عليه من معبود كان قبله ( 4 ) ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود
متناهيا ، وما زال - ليس كمثله شئ - عن صفة المخلوقين متعاليا ( 5 ) وانحسرت الأبصار
عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا ( 6 ) وبالذات التي لا يعلمها إلا هو عند خلقه
معروفا ، وفات لعلوه على أعلى الأشياء مواقع رجم المتوهمين ( 7 ) وارتفع عن أن
تحوي كنه عظمته فهاهة ( 8 ) رويات المتفكرين ، فليس له مثل فيكون ما يخلق مشبها
هامش
( 1 ) قوله : ( إن قالوا ) بتقدير المضاف خبر لضمير الجمع بعد حيث ، وتقدير الكلام :
وهم من ملكوت القدس بحيث أنهم من جهة معرفتهم به على ما فطرهم عليه من الروحانية
المحضة في منزلة أن قالوا - الخ ، وهي منزلة إظهار العجز والجهل بحضرة الربوبية .
( 2 ) أي لم يقع التغير والتحول في ذاته تعالى بسبب تكرر الأحوال المختلفة الحادثة
في الأشياء .
( 3 ) أي ولم يتردد عليه الزمان الذي يتجزأ بالليالي والأيام ، والحقب كالقفل بمعنى
الدهر والزمان ويأتي بمعان أخر ، ومر نظير هذا الكلام في صدر الخطبة .
( 4 ) أي لم يمتثل في صنعه على مثال ولم يحتذ على مقدار مأخوذين مستفادين من معبود
كان قبله تعالى .
( 5 ) ليس كمثله شئ معترضة بين زال وخبره .
( 6 ) في نسخة ( ط ) و ( ن ) ( وانحصرت الأبصار - الخ ) .
( 7 ) لا يبعد أن يكون ( فات تصحيف فاق ) وفي نسخة ( ب ) و ( د ) ( مواقع وهم المتوهمين ) .
( 8 ) الفهاهة : العى .