الثامن : - مما هو مفتعل قطعا من المفتتنين بالحراني إدخاله الإمام ابن دقيق العيد
في المثنين عليه ، وهو باطل بوجهين :
الأول : - ابن دقيق العيد توفي سنة ثلاث وسبعمائة ، وابن تيمية إنما دخل مصر
سنة خمس وسبعمائة .
الثاني : - الكلام الذي زعم المفتعل مدح ابن دقيق العيد به ابن تيمية بعضه مؤداه
الكفر وبعضه أقرب إلى ذم ابن تيمية من مدح مما يدل على منتهى غباوة المفتعل ، وهاهو :
( ما كنت أظن أن الله بقي يخلق مثلك ) ، وركاكة هذا الكلام في المبنى وفساده
في المعنى يدركهما كل من له إلمام بالعلم .
ولا ريب أنه صريح في تعجيز القدرة الإلهية ، لأن معناه نفي ظنه خلق الله تعالى
مثل فلان ، ونفي ظنه ذلك تعجيز للقدرة الإلهية ، وتعجيز القدرة الإلهية كفر ،
فيستحيل صدور هذا الكلام من أي عالم فضلا عن الإمام ابن دقيق العيد الذي تسنم
فنون العلم ، وزعم المفتعل أيضا أن ابن دقيق العيد سئل بعد انقضاء المجلس عن ابن
تيمية فقال : ( هو رجل حفظه ) ، فقيل له : فهلا تكلمت معه ؟ ، فقال : ( هذا رجل
يحب الكلام وأنا أحب السكوت ) ، هذا الكلام أقرب إلى ذم ابن تيمية من مدحه ، لأن
الحفظة معناه كثير الحفظ ولا يلزم من كثرة حفظه قوة علمه وفهمه ، والذي يحب
الكلام يهذر ، والمهذار يغلط كثيرا ولا بد ، والذي يحب السكوت صوابه أكثر من
خطئه في العادة المستمرة ، رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم .
وزعم أيضا أن ابن دقيق العيد قال : ( لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا العلوم
كلها بين عينيه يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد ) ، وهذا باطل مستحيل صدوره من
ابن دقيق العيد ، فابن تيمية لا يعرف إلا علم الحديث على مجازفته في الطعن في الأحاديث
التي لا توافق هواه وسوء فهمه لها ، وغيره من العلوم إنما هو متهجم عليه .
قال التاج السبكي : في طبقاته في ترجمة ابن دقيق العيد : " إنه كان لا يزيد في
القول لجميع الناس الكبير والصغير الأمير والمأمور ، على : ( يا إنسان ) ، ما عدا الباحي
وابن الرفعة ، فإنه كان يقول للأول ، يا إمام وللثاني : يا فقيه " .
التوسل بالنبي ( ص ) وجهلة الوهابيين — صفحة 238
مساهمون: أبي حامد بن مرزوق
ص٢٣٨