وقاعدة جواز العفو عن ذنوب المؤمن بغير توبة - التي ذكرها
المتكلمون من أصحابنا رضي الله عنهم ، وغيرهم - مع دليلها العقلي
والسمعي ، تعاضد هذه الأخبار وتقويها ( 1 ) . .
هامش
( 1 ) قال العلامة الحلي في مناهج اليقين - ص 358 - في مسألة العفو :
اتفقت المعتزلة على أنه لا يجوز العفو ابتداء عن أصحاب الكبائر سمعا ،
واختلفوا في جوازه عقلا ، فذهب البغداديون إلى أنه لا يجوز ، وذهب البصريون إلى
جوازه ، وذهبت الإمامية إلى جوازه عقلا وسمعا .
أما عقلا ، فلأن العفو إحسان فيكون حسنا ، والمقدمتان قطعيتان ، ولأنه حقه ،
وفي استيفائه ضرر على المكلف ، فلا مضرة عليه تعالى في إسقاطه ، فيكون
إسقاطه حسنا قطعا .
لا يقال : العلم بالعفو إغراء بالقبيح ، فيكون العفو قبيحا . ولأن العفو مع الوعيد
كذب .
لأنا نقول : العفو ليس بقطعي ، فلا يكون إغراء بالقبيح ، كما إن المكلف يسقط
بتوبته العقاب ، مع أن التوبة ليست إغراء بالقبيح ، لأنها ليست متيقنة الحصول .
وأما الوعيد ، فمعارض بآيات الوعد .
وأما النقل ، فوجوه :
أحدها : قوله تعالى : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ) * .
[ سورة النساء 4 : 48 و 116 ] .
فنقول : هذا الغفران إما أن يكون مع التوبة أو بدونها . والأول باطل ، للإجماع
بأن الشرك مغفور مع التوبة ، فالثاني حق .
ولا يمكن أن يقال : إن عدم غفران الشرك مع عدم التوبة ، وغفران ما دون ذلك
بها ، لخروج الكلام عن النظم الصحيح . لا يبقي للفضل معنى . ولأن الغفران مع
التوبة واجب فلا يجوز تعلقه بالمشيئة .
لا يقال : الغفران هو الستر لا الإسقاط . وتحقيق الغفران في حق صاحب الذنب
تأخير عقوبته إلى يوم القيامة ، وتحقيق عدمه في حق الكافر هو تعجيلها . وتحقيق
هذا التأويل ما قبل الآية من قوله : * ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا
مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا
أصحاب السبت ) * [ سورة النساء 4 : 47 ] ، ثم عقب بعد ذلك بقوله : * ( إن الله
لا يغفر أن يشرك به ) * ، التقدير : إن لم تؤمنوا فعلنا بكم كما فعلنا بأصحاب السبت
من طمس الوجوه والمسخ .
سلمنا أن المراد السقوط ، لكن يحتمل أن يكون السقوط إشارة إلى بعض أنواع
العقاب لا إلى جميع أنواعه .
ونحن نقول بذلك ، فإن عقاب الكافر أزيد من عقاب الفاسق ، فيحتمل أن يكون
الساقط ذلك القدر الزائد من العقاب .
لأنا نجيب عن الأول : بوقوع الإجماع على أن المراد بالغفران ها هنا السقوط ،
فإن الوعيدية تأولوا ذلك بالتائب ، أو بمن زاد ثوابه على عقابه ، والتفضيلية حملوا
ذلك على المصر .
فعلم أنهم اتفقوا على أن المراد بالغفران السقوط .
وعن الثاني : إن المراد سقوط جميع أنواع العقاب ، وإلا لما بقي فرق بين الكافر
والفاسق ، فإن الكافر لا يمكن أن يعذب بجميع أنواع العذاب .
وثانيها : قوله تعالى : * ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) * [ سورة الرعد
13 : 6 ] ، و * ( على ) * تدل على الحال ، فأثبت المغفرة حالة الظلم ، وذلك هو
المطلوب ، ترك العمل به في حق الكافر فيبقى الباقي على الأصل .
وثالثها : قوله تعالى : * ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من
رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) * [ سورة الزمر 39 : 53 ] ، ترك العمل به في
الكافر للإجماع فيبقى الباقي على عمومه .
ورابعها : اتفقت الأمة على وجوب الشفاعة وتأثيرها في إسقاط العقاب على ما
يأتي .
وخامسها : اتفقت الأمة على أن الله تعالى يعفو عن العباد ، ونطق القرآن بذلك ،
ولا شك أن إسقاط العقاب عن أصحاب الصغائر مطلقا ، وعن أصحاب الكبائر بعد
التوبة واجب ، فلا يكون عفوا بإسقاط عقابهما ، فوجب أن يكون بإسقاط العقاب
عن صاحب الكبيرة قبل التوبة .
احتج المخالف بوجوه :
الأول : إن العقاب لطف ، فيكون إسقاطه قبيحا .
الثاني : قوله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا
فيها ) * [ سورة النساء 4 : 14 ] .
وقوله : * ( من يعمل سوءا يجز به ) * [ سورة النساء 4 : 123 ] .
وقوله : * ( ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ) * [ سورة الفرقان 25 : 19 ] .
وقوله : * ( ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * [ سورة الزلزلة 99 : 8 ] .
وقوله : * ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) * [ سورة النساء
4 : 93 ] ولفظة " من " للعموم .
الثالث : قوله تعالى : * ( إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم ) * [ سورة
الانفطار 82 : 23 و 24 ] .
وجه الاستدلال : إن الاسم المحلى باللام إن قلنا بعمومه - كما هو مذهب
أبي علي - ثبت المطلوب ، وإن لم نقل - كما هو مذهب أبي هاشم - قلنا : إن هذه
الآية خرجت مخرج الزجر عن الفجور ، فيكون هذا الحكم مترتبا على الفجور ،
فيكون الفجور علة ، فيلزم العموم أيضا .
والجواب عن الأول : ينتقض ما ذكرتم بوجوب إسقاطه بالتوبة .
ثم الجواب الحقيقي : إن تجويز العقاب لطف ، وذلك حاصل على تقدير القول
بالعفو ، فإن الفاسق لا يقطع بحصول العفو .
وعن الوجهين الآخرين : بأن هذه الآيات مشروطة بعدم العفو ، كما أنها مشروطة
بعدم التوبة اتفاقا ، وذلك للجمع بين آيات الوعيد والوعد . وأيضا المعارضة بآيات
الوعد . وأيضا ، بالمنع من العموم .
ولو سلم أنها موضوعة له ، لكنها غير موضوعة له قطعا ، ولو كان كذلك ، لكنها
غير مراد منها العموم قطعا .