حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب . . .
ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في
الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة ، وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء
الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله
أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب " البيان والتبيين " وفي غيره من كتبه . . .
وقال في ج 16 ص 145 عند كلامه على كتابه عليه السلام
إلى عبد الله بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر :
أنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها ، وتملكه زمامها ،
واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تواتيه وتطاوعه ، سلسة
سهلة تتدفق من غير تعسف ولا تكلف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال :
" . . . يوما واحدا ، ولا ألتقي بهم أبدا " ، وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا
في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة
منصوبة ، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلف أثر بين ، وعلامة
واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الاعجاز في القرآن ، ذكره
عبد القاهر ، قال : انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة
الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلا ، ولو مزجت إحدى السورتين
بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما .
ثم إن فواصل كل واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا
الصناعة التكلفية .
ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : " ولدا
ناصحا " ، و " عاملا كادحا " ، و " سيفا قاطعا " ، و " ركنا دافعا " ، لو قال : " ولدا
كادحا " و " عاملا ناصحا " وكذلك ما بعده لما كان صوابا ، ولا في الموقع واقعا ،
فسبحان الله من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أن
مجلة تراثنا — صفحة 92
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٩٢