أرتضي بالأذى ولم يقف العز * م قصورا ، ولم تعز المطي
كالذي يخبط الظلام وقد أقمر * من خلفه النهار المضي ( 144 )
هذه الأبيات كانت بمثابة قنبلة فجرت غضب القادر العباسي على الشريف
الرضي ، وعقد مجلسا جمع فيه والد الشريف الرضي وأخاه المرتضى وجمعا من القضاة
والفقهاء والشهود ، وأعلمهم بأبيات الشريف - المشار إليها - وعاتب والد الشريف على
ذلك ، وطلب من الحاضرين أن يدونوا محضرا يتضمن الطعن بنسب الخلفاء
الفاطميين ، ووقع الجميع عليه ، وطلب القادر من والد الرضي أن يوقع عليه ولده ،
فامتنع الرضي من ذلك ، مدعيا أن الشعر ليس له ( 145 ) ، وأصر عل امتناعه " ولما انتهى
الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة " ( 146 ) .
هامش
( 144 ) ديوان الرضي : 2 / 972 - 973 .
( 145 ) ذكر ابن كثير هذه القضية في تاريخه ( البداية والنهاية : 12 / 2 ) بعد أن ذكر بيتين منها ثم قال : " فلما
سمع الخليفة القادر بأمر هذه القصيدة انزعج ، وبعث إلى أبيه الموسوي يعاتبه ، فأرسل إلى ابنه الرضي ، فأنكر أن
يكون قالها بالمرة والروافض من شأنهم التزوير . . . " .
( 146 ) نقل الواقعة ابن أبي الحديد في ( شرح نهج البلاغة : 1 / 12 - 13 ) وقال : " وذكر أبو الحسين الصابي
وابنه غرس النعمة محمد في تاريخهما : إن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الموسوي ، وابنه
أبو القاسم المرتضى ، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء ، وأبرز إليهم أبيات الرضي أبي الحسن ، التي أولها :
ما مقامي على الهوان وعندي * مقول صارم وأنف حمي
وقال الحاجب للنقيب أبي أحمد : قل لولدك محمد أي هوان قد أقام عليه عندنا ، وأي ضيم لقي من جهتنا ،
وأي ذل أصابه في ملكنا ، وما الذي يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه ؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعتنا ؟
ألم نوله النقابة ؟ ألم نوله المظالم ؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز ، وجعلناه أمير الحجيج ؟ فهل كان يحمل له من
صاحب مصر أكثر من هذا ما نظنه كأن يكون لو حصل عنده إلا واحدا من أبناء الطالبيين بمصر .
فقال النقيب أبو أحمد : أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه ، ولا رأيناه بخطه ، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه
نحله إياه وعزاه إليه :
فقال القادر : إن كان كذلك فليكتب الآن محضرا يتضمن القدح في نسب ولاة مصر ويكتب محمد بخطه
فيه . فكتب محضرا بذلك شهد فيه جميع من حضر المجلس منهم النقيب أبو أحمد ، وابنه المرتضى وحمل المحضر إلى
الرضي ليكتب خطه فيه ، فحمله أبوه وأخوه فامتنع من تسطير خطه وقال : لا أكتبو ؟ ؟ أخاف دعاة صاحب مصر
وأنكر الشعر وكتابة خطه وأقسم فيه أنه لا يعرفه ، فأجبره أبوه على أن يسطر خطه في المحضر فلم يفعل وقال أخاف
دعاة المصريين وغيلتهم لي ، فإنهم معرفون بذلك فقال أبوه فيا عجباه ، أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ ، ولا
تخاف من بينك وبينه مائة ذراع ؟ وحلف أن لا يكلمه وكذلك المرتضى ، فعلا ذلك تقية ، وخوفا من القادر
وتسكينا له ، ولما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له ، وبعد أيام صرفه عن النقابة " .