كنت الصباح رمى إليها ضوءه * ومضى بهبوته الظلام الأورق
أنتم موادع كل خطيب يتقى * وبكم يفرج كل باب يغلق
وأبوكم العباس ما استسقى به * بعد القنوط قبائل إلا سقوا
ثم يتوجه الرضي إلى القادر فيقول له مادحا :
لله يوم أطلعتك به العلى * علما يزاول بالعيون ويرشق
لما سمت بك غرة مرموقة * كالشمس تبهر بالضياء وتومق
وبرزت في برد النبي وللهدى * نور على اطرار وجهك مشرق
وكما سبق في قصيدته الأولى ختم هذه القصيدة بأشعار الخليفة ، بأنه لا يرقى عليه ،
لأنهما من دوحة واحدة ، إنما الفرق هو : أنه مطوق بالخلافة ، وهو عاطل منها فيقول :
عطفا أمير المؤمنين فإننا * في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت * أبدا ، كلانا في العلاء معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني * أنا عاطل منها ، وأنت مطوق ( 140 )
وتذكر الرواية : إن الرضي عندما أنهى هذا البيت الأخير قال القادر بالله : " على
رغم أنف الرضي ( 141 ) .
هذه النقلة المفاجأة في قصيدتي الرضي مع الخليفة القادر ، يحاول فيها الشاعر أن
يحطم الحواجر الشكلية بينه وبين الخليفة ويهدمها بترفع واقتدار .
ولكن الشئ الملاحظ لماذا ذلك مع القادر بالله فحسب ، إذ لم نعثر له على مثل
هذا القول الجرئ مع الطائع لله ؟
مما لا شك أن الرضي كانت تربطه بالطائع لله صداقة ومودة شهدت بذلك أغلب
قصائده المخصوصة بالطائع ، والتي تجد فيها كيلا كبيرا من الثناء والمديح له - وكما رأينا في
الأبيات المتقدمة - ولعل هذا الود ينبثق من موافق الطائع مع آل الرضي ، حين اعتقل
والد الرضي بأمر من عضد الدولة البويهي ، وبعدها عندما أعاد له نقابة الطالبيين ، وكل
هامش
( 140 ) ديوان الرضي : 2 / 541 - 544 .
( 141 ) الصفدي - الوافي بالوفيات : 2 / 376 ، وأضاف الصفدي في المصدر نفسه : بأن الرضي كان جالسا
يوما مع القادر ، فأخذ الرضي يعبث بذقنه ويرفعها إلى أنفه ، فقال له الخليفة : كأنك تشم فيها رائحة الخلافة ؟
فرد عليه الرضي قائلا : لا والله ، رائحة النبوة .