تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
أحكامه وأوامره ونواهيه . فإن قبل أمرا فحسن ، وإن أبى فرده إلى مأمنه . وهذا ما لا خلاف فيه . والله أعلم ( 1 ) . قال مالك : إذا وجد الحربي في طريق بلاد المسلمين فقال : جئت أطلب الأمان . قال مالك : هذه أمور مشتبهة ، وأرى أن يرد إلى مأمنه . وقال ابن القاسم : وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا بساحلنا فيقول : ظننت ألا تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع . وظاهر الآية إنما هي فيمن يريد سماع القرآن والنظر في الاسلام ، فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين والنظر فيما تعود عليهم به منفعته . الثانية - ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز ، لأنه مقدم للنظر والمصلحة ، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار . واختلفوا في أمان غير الخليفة ، فالحر يمضي أمانه عند كافة العلماء . إلا أن ابن حبيب قال : ينظر الامام فيه . وأما العبد فله الأمان في مشهور المذهب ، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق والأوزاعي والثوري وأبو ثور وداود ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة : لا أمان له ، وهو القول الثاني لعلمائنا . والأول أصح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ) . قالوا : فلما قال ( أدناهم ) جاز أمان العبد ، وكانت المرأة الحرة أحرى بذلك ، ولا اعتبار بعلة ( لا يسهم له ) . وقال عبد الملك بن الماجشون : لا يجوز أمان المرأة إلا أن يجيزه الامام ، فشذ بقوله عن الجمهور . وأما الصبي فإذا أطاق القتال جاز أمانه ، لأنه من جملة المقاتلة ، ودخل في الفئة الحامية . وقد ذهب الضحاك والسدي إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله : " فاقتلوا المشركين " . وقال الحسن : هي محكمة سنة ( 2 ) إلى يوم القيامة ، وقاله مجاهد . وقيل : هذه الآية إنما كان حكمها باقيا مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم أجلا ، وليس بشئ . وقال سعيد بن جبير : جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة الأشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قتل !
هامش
( 1 ) في ج وك وه‍ وى : والحمد لله . ( 2 ) كذا في الأصول وتفسير ابن عطية . إلا ب ، ففيها : محكمة مثبتة . ولا وجود لهذه الكلمة في قول الحسن في المراجع .