في جعله الطريق ظرفا وقال : الطريق مكان مخصوص كالبيت والمسجد ، فلا يجوز حذف
حرف الجر منه إلا فيما ورد فيه الحذف سماعا ، كما حكى سيبويه : دخلت الشام ودخلت
البيت ، وكما قيل :
* كما عسل الطريق الثعلب ( 1 ) *
الخامسة - قوله تعالى : ( فإن تابوا ) أي من الشرك . ( وأقاموا الصلاة وآتوا
الزكاة فخلوا سبيلهم ) هذه الآية فيها تأمل ، وذلك أن الله تعالى علق القتل على الشرك ، ثم
قال : " فإن تابوا " . والأصل أن القتل متى كان الشرك يزول بزواله ، وذلك يقتضي زوال
القتل بمجرد التوبة ، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ولذلك سقط القتل بمجرد
التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة . وهذا بين في هذا المعنى ، غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر
معها شرطين آخرين ، فلا سبيل إلى إلغائهما . نظيره قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن
أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا
مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : والله
لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال . وقال ابن عباس : رحم الله أبا بكر
ما كان أفقهه . وقال ابن العربي : فانتظم القرآن والسنة واطردا . ولا خلاف بين المسلمين
أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلا كفر ، ومن ترك السنن متهاونا فسق ، ومن ترك
النوافل لم يحرج ، إلا أن يجحد فضلها فيكفر ، لأنه يصير رادا على الرسول عليه السلام ما جاء
به وأخبر عنه . واختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جحد لها ولا استحلال ، فروى يونس
ابن عبد الا على قال : سمعت ابن وهب يقول قال مالك : من آمن بالله وصدق المرسلين وأبى
أن يصلي قتل ، وبه قال أبو ثور وجميع أصحاب الشافعي . وهو قول حماد بن زيد ومكحول
ووكيع . وقال أبو حنيفة : يسجن ويضرب ولا يقتل ، وهو قول ابن شهاب وبه يقول داود
ابن علي . ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله
هامش
( 1 ) القائل هو ساعدة بن جؤية : وتمامه كما في اللسان وكتاب سيبويه :
لدن بهز الكف بعسل متنه * فيه كما عسل . . .