وهكذا ينبغي على أئمة الحاج فمن دونهم ، لان في استعجال السير إلى المزدلفة استعجال الصلاة
بها ، ومعلوم أن المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع العشاء بالمزدلفة ، وتلك سنتها ، على ما يأتي
بيانه إن شاء الله تعالى .
السابعة - ظاهر عموم القرآن والسنة الثابتة يدل على أن عرفة كلها موقف ، قال صلى
الله عليه وسلم : ( ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ) . رواه مسلم وغيره من حديث جابر
الطويل . وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( عرفة كلها
موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر ) . قال ابن
عبد البر : هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله ، ومن حديث ابن عباس ، ومن
حديث علي بن أبي طالب ، وأكثر الآثار ليس فيها استثناء بطن عرنة من عرفة ، وبطن محسر
من المزدلفة ، وكذلك نقلها الحفاظ الثقات الاثبات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد
عن أبيه عن جابر . قال أبو عمر : واختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفة بعرنة ، فقال مالك
فيما ذكر ابن المنذر عنه : يهريق دما وحجه تام . وهذه رواية رواها خالد بن نزار عن مالك .
وذكر أبو المصعب أنه كمن لم يقف وحجه فائت ، وعليه الحج من قابل إذا وقف ببطن عرنة .
وروي عن ابن عباس قال : من أفاض من عرنة فلا حج له . وهو قول ابن القاسم وسالم ،
وذكر ابن المنذر هذا القول عن الشافعي ، قال وبه أقول : لا يجزيه أن يقف بمكان أمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يوقف به . قال ابن عبد البر : الاستثناء ببطن عرنة من
عرفة لم يجئ مجيئا تلزم حجته ، لا من جهة النقل ولا من جهة الاجماع . وحجة من ذهب مذهب
أبي المصعب أن الوقوف بعرفة فرض مجمع عليه في موضع معين ، فلا يجوز أداؤه إلا بيقين ،
ولا يقين مع الاختلاف . وبطن عرنة يقال بفتح الراء وضمها ، وهو بغربي مسجد عرفة ،
حتى لقد قال بعض العلماء : إن الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن
عرنة . وحكى الباجي عن ابن حبيب أن عرفة في الحل ، وعرنة في الحرم . قال أبو عمر :
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 418
مساهمون: القرطبي
ص٤١٨