بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل ، إلا مالك بن أنس فإنه قال : لا بد أن يأخذ من الليل
شيئا . وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجه . والحجة للجمهور
مطلق قوله تعالى : " فإذا أفضتم من عرفات " ولم يخص ليلا من نهار ، وحديث عروة بن
مضرس قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموقف من جميع ، فقلت يا رسول الله ،
جئتك من جبلي طئ ، أكللت مطيتي ، وأتعبت نفسي ، والله إن تركت من جبل ( 1 ) إلا وقفت
عليه ، فهل لي من حج يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى معنا
صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد قضى تفثه ( 2 ) وتم حجه ) . أخرجه
غير واحد من الأئمة ، منهم أبو داود والنسائي والدارقطني واللفظ له . وقال الترمذي : حديث
حسن صحيح . وقال أبو عمر : حديث عروة بن مضرس الطائي حديث ثابت صحيح ، رواه
جماعة من أصحاب الشعبي الثقات عن الشعبي عن عروة بن مضرس ، منهم إسماعيل بن أبي خالد
وداود بن أبي هند وزكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن أبي السفر ومطرف ، كلهم عن
الشعبي عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام . وحجة مالك من السنة الثابتة :
حديث جابر الطويل ، خرجه مسلم ، وفيه : فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس
وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص . وأفعاله على الوجوب ، لا سيما في الحج وقد قال :
( خذوا عني مناسككم ) .
الرابعة - واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه
مع صحة الحج ، فقال عطاء وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي وغيرهم :
هامش
( 1 ) في ز وبعض كتب الحديث ونهاية ابن الأثير بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الموحدة . قال الترمذي
في سننه : " قوله : من حبل " إذا كان من رمل يقال له حبل ، وإذا كان من حجارة يقال له جبل " . وقال ابن الأثير
في تفسير هذا الحديث : " الحبل : المستطيل من الرمل ، وقيل : الضخم منه ، وجمعه حبال . وقيل : الحبال في الرمل
كالجبال في غير الرمل " . وقال الخطابي : الحبال ما دون الجبال في الارتفاع .
( 2 ) قال صاحب التعليق المغنى على سنن الدارقطني : " وقوله : وقضى تفثه . قيل : المراد به أنه أتى بما عليه
من المناسك ، والمشهور أن التفث ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف الإبط وغيره
من خصال الفطرة ، ويدخل في ضمن ذلك نحر البدن ، وقضاء جميع المناسك ، لأنه لا يقضى النفث إلا بعد ذلك ،
وأصل النفث الوسخ والقذر . قاله الشوكاني " .