قوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم
من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هديكم
وإن كنتم من قبله لمن الضالين ( 198 ) .
قوله تعالى : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " فيه مسألتان :
الأولى - قوله تعالى : " جناح " أي إثم ، وهو اسم ليس . " أن تبتغوا " في موضع
نصب خبر ليس ، أي في أن تبتغوا . وعلى قول الخليل والكسائي أنها في موضع خفض .
ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخص في التجارة ، المعنى : لا جناح
عليكم في أن تبتغوا فضل الله . وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة ، قال الله تعالى :
" فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " ( 1 ) [ الجمعة : 10 ] . والدليل على صحة هذا ما رواه البخاري عن
ابن عباس قال : ( كانت ( 2 ) عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم
فنزلت : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " في مواسم الحج ) ( 3 ) .
الثانية - إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة ،
وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الاخلاص المفترض عليه ،
هامش
( 1 ) راجع ج 18 ص 108 .
( 2 ) الذي في البخاري : " كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية ،
فلما جاء الاسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت . . . الخ " . وعكاظ : نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة ، وبينه وبين
مكة ثلاث ليال . وذو المجاز : خلف عرفة . ومجنة : بمر الظهران ، قرب جبل يقال له الأصغر ، وهو بأسفل مكة على قدر
بريد منها . وهذه أسواق للعرب . وكان أهل الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة ، ثم يذهبون منه إلى
مجنة بعد مضى عشرين يوما من ذي القعدة ، فإذا رأوا هلال ذي الحجة ذهبوا من مجنة إلى ذي المجاز ، فلبثوا به ثمان
ليال ، ثم يذهبون إلى عرفة . ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الاسلام إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن
الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة ، لما خرج الحروري بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف خاف الناس أن ينتهبوا فتركت
إلى الان ، ثم ترك ذو المجاز ومجنة بعد ذلك ، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة . ( عن شرح القسطلاني ) .
( 3 ) فوله : " في مواسم الحج " قراءة ابن عباس ، كما نبه عليه المؤلف في مقدمة الكتاب ص 83 ، وقال أبو حيان
في البحر : " وقراء ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير " فضلا من ربكم في مواسم الحج " وجعل هذا تفسيرا ، لأنه
مخالف لسواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة .