قلت : ويحتمل أن يكون المعنى : أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما
خسفها بقارون . ( فإذا هي تمور ) أي تذهب وتجئ . والمور : الاضطراب بالذهاب
والمجئ . قال الشاعر :
رمين فأقصدن القلوب ولن ترى * دما مائرا إلا جرى في الحيازم
جمع حيزوم وهو وسط الصدر . وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض فهو المور . وقال
المحققون : أمنتم من فوق السماء ، كقوله : " فسيحوا في الأرض " ( 1 ) [ التوبة : 2 ] أي فوقها لا بالمماسة والتحيز
لكن بالقهر والتدبير . وقيل : معناه أمنتم من على السماء ، كقوله تعالى : " ولأصلبنكم في جذوع
النخل " ( 2 ) [ طه : 71 ] أي عليها . ومعناه أنه مديرها ومالكها ، كما يقال : فلان على العراق والحجاز ، أي
وإليها وأميرها . والاخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة ، مشيرة إلى العلو ، لا يدفعها
إلا ملحد أو جاهل معاند . والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت . ووصفه بالعلو
والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام . وإنما ترفع الأيدي بالدعاء
إلى السماء لان السماء مهبط الوحي ، ومنزل القطر ، ومحل القدس ، ومعدن المطهرين
من الملائكة ، وإليها ترفع أعمال العباد ، وفوقها عرشه وجنته ، كما جعل الله الكعبة
قبلة للدعاء والصلاة ، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها ، وكان في أزله قبل خلق
المكان والزمان . ولا مكان له ولا زمان . وهو الآن على ما عليه كان . وقرأ قنبل عن
ابن كثير " النشور وامنتم " بقلب الهمزة الأولى واوا وتخفيف الثانية . وقرأ الكوفيون
والبصريون وأهل الشام سوى أبي عمرو وهشام بالتخفيف في الهمزتين ، وخفف الباقون .
وقد تقدم جميعه .
قوله تعالى : أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا
فستعلمون كيف نذير 17
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 64 .
( 2 ) راجع ج 11 ص 224