تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
فلا تخرج لا ليلا ولا نهارا . والحديث يرد عليه . وفي الصحيحين أن أبا حفص ( 1 ) بن عمرو خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن ، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقالا لها : والله مالك من نفقة إلا أن تكوني حاملا . فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما . فقال : ( لا نفقة لك ) ، فاستأذنته في الانتقال فأذن لها ، فقالت : أين يا رسول الله ؟ فقال : ( إلى ابن أم مكتوم ) ، وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها . فلما مضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد . فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث ، فحدثته . فقال مروان : لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة ، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها . فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان : فبيني وبينكم القرآن ، قال الله عز وجل : " لا تخرجوهن من بيوتهن " الآية ، قالت : هذا لمن كانت له رجعة ، فأي أمر يحدث بعد الثلاث ؟ فكيف تقولون : لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا ، فعلام تحبسونها ؟ لفظ مسلم . فبين أن الآية في تحريم الاخراج والخروج إنما هو في الرجعية . وكذلك استدلت فاطمة بأن الآية التي تليها إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية ، لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدتها ، فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت . وأما البائن فليس له شئ من ذلك ، فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة ، أو خافت عورة منزلها ، كما أباح لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك . وفي مسلم - قالت فاطمة يا رسول الله ، زوجي طلقني ثلاثا وأخاف أن يقتحم علي . قال : فأمرها فتحولت وفي البخاري عن عائشة أنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها ، فلذلك أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها . وهذا كله يرد على الكوفي قوله . وفي حديث فاطمة : أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ، فهو حجة لمالك وحجة على الشافعي . وهو أصح من حديث سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاث تطليقات في كلمة ، على ما تقدم .
هامش
( 1 ) ويقال فيه : " أبو عمرو بن حفص " . راجع كتاب الإصابة ج 7 ص 44 ، 136 ( طبع الشرفية ) .