تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
بالسعف والنعال ونحوه ، فأنزل الله هذه الآية فيهم . وقال قتادة : نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة ( 1 ) في حق بينهما ، فقال أحدهما : لآخذن حقي عنوة ، لكثرة عشيرته . ودعاه الآخر إلى أن يحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبي أن يتبعه ، فلم يزل الامر بينهما حتى تواقعا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال والسيوف ، فنزلت هذه الآية . وقال الكلبي : نزلت في حرب سمير وحاطب ( 2 ) ، وكان سمير قتل حاطبا ، فاقتتل الأوس والخزرج حتى أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت . وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يصلحوا بينهما . وقال السدي : كانت امرأة من الأنصار يقال لها : " أم زيد " تحت رجل من غير الأنصار ، فتخاصمت مع زوجها ، أرادت أن تزور قومها فحبسها زوجها وجعلها في علية لا يدخل عليها أحد من أهلها ، وأن المرأة بعثت إلى قومها ، فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها ، فخرج الرجل فاستغاث أهله فخرج بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها ، فتدافعوا وتجالدوا ( 3 ) بالنعال ، فنزلت الآية . والطائفة تتناول الرجل الواحد والجمع والاثنين ، فهو مما حمل على المعنى دون اللفظ ، لان الطائفتين في معنى القوم والناس . وفي قراءة عبد الله " حتى يفيئوا إلى أمر الله فإن فاءوا فخذوا بينهم بالقسط " . وقرأ ابن أبي عبلة " اقتتلتا " على لفظ الطائفتين . وقد مضى في آخر " براءة " القول فيه ( 4 ) . وقال ابن عباس في قوله عز وجل " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " ( 5 ) [ الروم : 2 ] قال : الواحد فما فوقه ، والطائفة من الشئ القطعة منه . " فأصلحوا بينهما " بالدعاء إلى كتاب الله لهما أو عليهما . " فإن بغت إحداهما على الأخرى " تعدت ولم تجب إلى حكم الله وكتابه . والبغي : التطاول والفساد . " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " أي ترجع إلى كتابه . " فإن فاءت " رجعت " فأصلحوا بينهما بالعدل " أي احملوهما على الانصاف . " وأقسطوا " أيها الناس فلا تقتتلوا . قيل : أقسطوا أي اعدلوا . " إن الله يحب المقسطين " أي العادلين المحقين .
هامش
( 1 ) تدارأ القوم : تدافعوا في الخصومة ونحوها واختلفوا . ( 2 ) راجع خبر حربهما في كتاب الكامل لابن الأثير ج 1 ص 494 طبع أوروبا . ( 3 ) تجالدوا : تضاربوا . ( 4 ) راجع ج 8 ص 294 ( 5 ) آية 2 سورة النور .