تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
قوله تعالى : " واعلموا أن فيكم رسول الله " فلا تكذبوا ، فإن الله يعلمه أنباءكم فتفتضحون . " لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم " أي لو تسارع إلى ما أردتم قبل وضوح الامر لنا لكم مشقة وإثم ، فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن عقبة إليه لكان خطأ ، ولعنت من أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم لعداوة كانت بينه وبينهم . ومعنى طاعة الرسول لهم : الائتمار بما يأمر به فيما يبلغونه عن الناس والسماع منهم . والعنت الاثم ، يقال : عنت الرجل . والعنت أيضا الفجور والزنى ، كما في سورة " النساء " ( 1 ) . والعنت أيضا الوقوع في أمر شاق ، وقد مضى في آخر " براءة " القول في " عنتم " [ التوبة : 128 ] بأكثر من هذا . ( 2 ) " ولكن الله حبب إليكم الايمان " هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل ، أي جعل الايمان أحب الأديان إليكم . " وزينه " بتوفيقه . " في قلوبكم " أي حسنه إليكم حتى اخترتموه . وفي هذا رد على القدرية والامامية وغيرهم ، حسب ما تقدم في غير موضع . فهو سبحانه المنفرد بخلق ذوات الخلق وخلق أفعالهم وصفاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم ، لا شريك له . " وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان " قال ابن عباس : يريد به الكذب خاصة . وقاله ابن زيد . وقيل : كل ما خرج عن الطاعة ، مشتق من فسقت الرطبة خرجت من قشرها . والفأرة من جحرها . وقد مضى في " البقرة " القول فيه مستوفي ( 3 ) . والعصيان جمع المعاصي . ثم انتقل من الخطاب إلى الخبر فقال " أولئك " يعني هم الذين وفقهم الله فحبب إليهم الايمان وكره إليهم الكفر أي قبحه عندهم " هم الراشدون " كقول تعالى : " وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " ( 4 ) [ الروم : 39 ] . قال النابغة : يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ، من الرشاد وهي الصخرة .
هامش
( 1 ) راجع ج 5 ص 137 ( 2 ) راجع ج 8 ص 302 ( 3 ) راجع ج 1 ص 245 ( 4 ) آية 39 سورة الروم .