وتم الصلح والتفرق على الرضا . فخاف قتلة عثمان رضي الله عنه من التمكين منهم والإحاطة
بهم ، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا ، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين ، ويبدأوا
بالحرب سحرة في العسكرين ، وتختلف السهام بينهم ، ويصيح الفريق الذي في عسكر علي :
غدر طلحة والزبير ، والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير : غدر علي . فتم لهم ذلك على
ما دبروه ، ونشبت الحرب ، فكان كل فريق دافعا لمكرته عند نفسه ، ومانعا من الإشاطة ( 1 )
بدمه . وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى ، إذ وقع القتال والامتناع منهما
على هذه السبيل . وهذا هو الصحيح المشهور . والله أعلم .
الخامسة - قوله تعالى : " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " أمر بالقتال .
وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ولذلك تخلف قوم من الصحابة
رضي الله عنهم عن هذه المقامات ، كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو ومحمد بن سلمة
وغيرهم . وصوب ذلك علي بن أبي طالب لهم ، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله ،
منه . ويروى أن معاوية رضي الله عنه لما أفضى إليه الامر عاتب سعدا على ما فعل ،
وقال له : لم تكن ممن أصلح بين الفئتين حين اقتتلا ، ولا ممن قاتل الفئة الباغية . فقال له
سعد : ندمت على تركي قتال الفئة الباغية . فتبين أنه ليس على الكل درك ( 2 ) فيما فعل ، وإنما
كان تصرفا بحكم الاجتهاد وإعمالا بمقتضى الشرع . والله أعلم .
السادسة - قوله تعالى : " فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل " ومن العدل
في صلحهم ألا يطالبون بما جرى بينهم من دم ولا مال ، فإنه تلف على تأويل . وفي طلبهم
تنفير لهم عن الصلح واستشراء ( 3 ) في البغي . وهذا أصل في المصلحة . وقد قال لسان الأمة :
إن حكمة الله تعالى في حرب الصحابة التعريف منهم لاحكام قتال أهل التأويل ، إذ كان
أحكام قتال أهل الشرك قد عرفت على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله .
هامش
( 1 ) الإشاطة : الاهلاك . يقال : أشاط فلان دم فلان إذا عرضه للهلاك .
( 2 ) الدرك ( بفتح الراء وسكونها ) : التبعة .
( 3 ) استشرى الرجل في الامر : لج . والأمور :
تفاقمت وعظمت .