تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
وتم الصلح والتفرق على الرضا . فخاف قتلة عثمان رضي الله عنه من التمكين منهم والإحاطة بهم ، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا ، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين ، ويبدأوا بالحرب سحرة في العسكرين ، وتختلف السهام بينهم ، ويصيح الفريق الذي في عسكر علي : غدر طلحة والزبير ، والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير : غدر علي . فتم لهم ذلك على ما دبروه ، ونشبت الحرب ، فكان كل فريق دافعا لمكرته عند نفسه ، ومانعا من الإشاطة ( 1 ) بدمه . وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى ، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذه السبيل . وهذا هو الصحيح المشهور . والله أعلم . الخامسة - قوله تعالى : " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " أمر بالقتال . وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ولذلك تخلف قوم من الصحابة رضي الله عنهم عن هذه المقامات ، كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو ومحمد بن سلمة وغيرهم . وصوب ذلك علي بن أبي طالب لهم ، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله ، منه . ويروى أن معاوية رضي الله عنه لما أفضى إليه الامر عاتب سعدا على ما فعل ، وقال له : لم تكن ممن أصلح بين الفئتين حين اقتتلا ، ولا ممن قاتل الفئة الباغية . فقال له سعد : ندمت على تركي قتال الفئة الباغية . فتبين أنه ليس على الكل درك ( 2 ) فيما فعل ، وإنما كان تصرفا بحكم الاجتهاد وإعمالا بمقتضى الشرع . والله أعلم . السادسة - قوله تعالى : " فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل " ومن العدل في صلحهم ألا يطالبون بما جرى بينهم من دم ولا مال ، فإنه تلف على تأويل . وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراء ( 3 ) في البغي . وهذا أصل في المصلحة . وقد قال لسان الأمة : إن حكمة الله تعالى في حرب الصحابة التعريف منهم لاحكام قتال أهل التأويل ، إذ كان أحكام قتال أهل الشرك قد عرفت على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله .
هامش
( 1 ) الإشاطة : الاهلاك . يقال : أشاط فلان دم فلان إذا عرضه للهلاك . ( 2 ) الدرك ( بفتح الراء وسكونها ) : التبعة . ( 3 ) استشرى الرجل في الامر : لج . والأمور : تفاقمت وعظمت .