تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قلت : قوله : ( لا يجوز أن يكون صفة لعارض ) خلاف قول النحويين ، والإضافة في تقدير الانفصال ، فهي إضافة لفظية لا حقيقية ، لأنها لم تفد الأول تعريفا ، بل الاسم نكرة على حاله ، فلذلك جرى نعتا على النكرة . هذا قول النحويين في الآية والبيت . ونعت النكرة نكرة . و " رب " لا تدخل إلا على النكرة . " بل هو " أي قال هود لهم . والدليل عليه قراءة من قرأ " قال هود بل هو " وقرئ " قل بل ما استعجلتم به هي ريح " أي قال الله قل بل هو ما استعجلتم به ، يعني قولهم : " فأتنا بما تعدنا " ثم بين ما هو فقال : " ريح فيها عذاب أليم " والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه ، وخرج هود من بين أظهرهم ، فجعلت تحمل الفساطيط وتحمل الظعينة ( 1 ) فترفعها كأنها جرادة ، ثم تضرب بها الصخور . قال ابن عباس : أول ما رأو العارض قاموا فمدوا أيديهم ، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش ، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم ، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال ، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوما ( 2 ) ، ولهم أنين ، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر ، فهي التي قال الله تعالى فيها : " تدمر كل شئ بأمر ربها " أي كل شئ مرت عليه من رجال عاد وأموالها . قال ابن عباس : أي كل شئ بعثت إليه . والتدمير : الهلاك . وكذلك الدمار . وقرئ " يدمر كل شئ " من دمر دمارا . يقال : دمره تدميرا ودمارا ودمر عليه بمعنى . ودمر يدمر دمورا دخل بغير إذن . وفي الحديث : [ من سبق طرفه استئذانه فقد دمر ] مخفف الميم . وتدمر : بلد بالشام . ويربوع تدمري إذا كان صغيرا قصيرا . " بأمر ربها " بإذن ربها . وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى أرى منه لهواته ( 3 ) إنما كان يتبسم . قالت : وكان إذا رأى غيما أو ريحا
هامش
( 1 ) الظعينة : الجمل يظعن عليه . والهودج فيه امرأة أم لا . ( 2 ) الأيام الحسوم : الدائمة في البشر . ( 3 ) جمع لهاة ، وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 206 | القرطبي / أحمد عبد العليم البردوني