ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ( 23 ) فلما رأوه عارضا
مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به
ريح فيها عذاب أليم ( 24 ) تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا
لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ( 25 )
قوله تعالى : " قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا " فيه وجهان : أحدهما - لتزيلنا عن
عبادتها بالإفك . الثاني - لتصرفنا عن آلهتنا بالمنع ، قاله الضحاك . قال عروة بن أذينة :
إن تك عن أحسن الصنيعة ماء * فوكا ففي آخرين قد أفكوا
يقول : إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا . " فأتنا بما تعدنا " هذا يدل على
أن الوعد قد يوضع موضع الوعيد . " إن كنت من الصادقين " أنك نبي " قال إنما العلم "
بوقت مجئ العذاب . " عند الله " لا عندي . " وأبلغكم ما أرسلت به " عن ربكم . " ولكني
أراكم قوما تجهلون " في سؤالكم استعجال العذاب . " فلما رأوه عارضا " قال المبرد : الضمير
في " رأوه " يعود إلى غير مذكور ، وبينه قوله : " عارضا " فالضمير يعود إلى السحاب ،
أي فلما رأوا السحاب عارضا . ف " عارضا " نصب على التكرير ، سمي بذلك لأنه يبدو
في عرض السماء . وقيل : نصب على الحال . وقيل : يرجع الضمير إلى قوله : " فأتنا بما
تعدنا " فلما رأوه حسبوه سحابا يمطرهم ، وكان المطر قد أبطأ عنهم ، فلما رأوه " مستقبل
أوديتهم " استبشروا . وكان قد جاءهم من واد جرت العادة أن ما جاء منه يكون غيثا ، قاله
ابن عباس وغيره . قال الجوهري : والعارض السحاب يعترض في الأفق ، ومنه قوله تعالى :
" هذا عارض ممطرنا " أي ممطر لنا ، لأنه معرفة لا يجوز أن يكون صفة لعارض وهو نكرة .
والعرب إنما تفعل مثل هذا في الأسماء المشتقة من الافعال دون غيرها . قال جرير :
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم * لاقى مباعدة منكم وحرمانا
ولا يجوز أن يقال : هذا رجل غلامنا . وقال أعرابي بعد الفطر : رب صائمة لن
تصومه وقائمة لن تقومه ، فجعله نعتا للنكرة وأضافه إلى المعرفة .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 205
مساهمون: القرطبي
ص٢٠٥