فالريح تبكي شجوها * والبرق يلمع في الغمامة ( 1 )
وقال آخر : ( 2 )
والشمس طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
وقالت الخارجية : ( 3 )
أيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه . والمعنى أنهم
هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد . وقيل : في الكلام إضمار ، أي ما بكى عليهم
أهل السماء والأرض من الملائكة ، كقوله تعالى : " واسأل القرية " [ يوسف : 82 ] بل سروا بهلاكهم ،
قاله الحسن . وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله
فإذا مات فقداه فبكيا عليه - ثم تلا - " فما بكت عليهم السماء والأرض " . يعني أنهم لم يعملوا على
الأرض عملا صالحا تبكي عليهم لأجله ، ولا صعد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فقد ذلك .
وقال مجاهد : إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا . قال أبو يحيى : فعجبت
من قوله فقال : أتعجب ! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود !
وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل ! . وقال علي وابن
عباس رضي الله عنهما : إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء . وتقدير
الآية على هذا : فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض .
وهو معنى قول سعيد بن جبير . وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه : أحدها أنه كالمعروف
من بكاء الحيوان . ويشبه أن يكون قول مجاهد . وقال شريح الحضرمي قال النبي صلى الله
عليه وسلم : ( إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة -
هامش
( 1 ) البيت ليزيد بن مغرغ الحميري . ورد هذا البيت في الأصول محرفا ، والتصويب عن وفيات الأعيان
وشرح الكامل .
( 2 ) هو جرير .
( 3 ) الخارجية هي ليلى بنت طريف الشيباني ترثي أخاها الوليد
ابن طريف ، وكان رأس الخوارج وأشدهم بأسا وصولة .