تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين . وأقرب ما لهم في الجواب أن يقال : فقد بطل عندنا وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على طريق الالجاء والاجبار والاكراه ، فصار يؤدي ذلك إلى مذهب الجبرية ، وهو مذهب رذل عندنا وعندكم ، فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين إنما هداهم الله تعالى إلى الايمان والطاعة على طريق الاختيار حتى يصح التكليف فمن شاء آمن وأطاع اختيارا لا جبرا ، قال الله تعالى : " لمن شاء منكم أن يستقيم " ( 1 ) [ التكوير : 28 ] ، وقال : " فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا " ( 1 ) . ثم عقب هاتين الآيتين بقوله تعالى : " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " [ التكوير : 29 ] . [ فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم ، ونفي أن يشاءوا إلا أن يشاء الله ] ( 2 ) ، ولهذا فرطت المجبرة لما رأوا أن هدايتهم إلى الايمان معذوق ( 3 ) بمشيئة الله تعالى ، فقالوا : الخلق مجبورون في طاعتهم كلها ، التفاتا إلى قوله : " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " [ التكوير : 29 ] . وفرطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الايمان معذوق بمشيئة العباد ، فقالوا : الخلق خالقون لأفعالهم ، التفاتا منهم إلى قوله تعالى : " لمن شاء منكم أن يستقيم " [ التكوير : 28 ] . ومذهبنا هو الاقتصاد في الاعتقاد ، وهو مذهب بين مذهبي المجبرة والقدرية ، وخير الأمور أوساطها . وذلك أن أهل الحق قالوا : نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه ، وهو أنا ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الانسان بغير محاولته وإرادته ولا مقرونة بقدرته ، وبين حركة الاختيار إذا حرك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش ، ومن لا يفرق بين الحركتين : حركة الارتعاش وحركة الاختيار ، وهما موجودتان في ذاته ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراك حاسته - فهو معتوه في عقله ومختل في حسه ، وخارج من حزب العقلاء . وهذا هو الحق المبين ، وهو طريق بين طريقي الافراط والتفريط . و : * كلا طرفي قصد الأمور ذميم * ( 4 )
هامش
( 1 ) راجع ج 19 ص 239 فما بعد وص 150 . ( 2 ) ما بين المربعين ساقط من ج ، ك . ( 3 ) كذا في نسخ الأصل : ( ولعلها مقرونة ) . ( 4 ) هذا عجز بيت وصدره : * ولا تغل في شئ من الامر واقتصد *
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 97 | القرطبي