تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
الموت وخلق على يديه قبض الأرواح ، واستلالها من الأجسام وإخراجها منها . وخلق الله تعالى جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره ، فقال تعالى : " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة " ( 1 ) [ الأنفال : 50 ] ، وقال تعالى : " توفته رسلنا " [ الانعام : 61 ] وقد مضى هذا المعنى في " الانعام " ( 2 ) . والبارئ خالق الكل ، الفاعل حقيقة لكل فعل ، قال الله تعالى : " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " [ الزمر : 42 ] . " الذي خلق الموت والحياة " ( 3 ) [ الملك : 2 ] . " يحيي ويميت " [ الأعراف : 158 ] . فملك الموت يقبض والأعوان يعالجون والله تعالى يزهق الروح . وهذا هو الجمع بين الآي والأحاديث ، لكنه لما كان ملك الموت متولي ذلك بالوساطة والمباشرة أضيف التوفي إليه كما أضيف الخلق للملك ، كما تقدم في " الحج " ( 4 ) . وروي عن مجاهد أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الانسان يأخذ من حيث شاء . وقد روي هذا المعنى مرفوعا ، وقد ذكرناه في ( كتاب التذكرة ) . وروي أن ملك الموت لما وكله الله تعالى بقبض الأرواح قال : رب جعلتني أذكر بسوء ويشتمني بنو آدم . فقال الله تعالى له : ( إني أجعل للموت عللا وأسبابا من الأمراض والاسقام ينسبون الموت إليها فلا يذكرك أحد إلا بخير ) . وقد ذكرناه في التذكرة مستوفى - وقد ذكرنا أنه يدعو الأرواح فتجيئه ويقبضها ، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو العذاب - بما فيه شفاء لمن أراد الوقوف على ذلك . الثانية - استدل بهذه الآية بعض العلماء على جواز الوكالة من قوله : " وكل بكم " أي بقبض الأرواح . قال ابن العربي : " وهذا أخذ من لفظه لا من معناه ، ولو اطرد ذلك لقلنا في قوله تعالى : " قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ( 5 ) جميعا " [ الأعراف : 158 ] : إنها نيابة عن الله تبارك وتعالى ووكالة في تبليغ رسالته ، ولقلنا أيضا في قوله تبارك وتعالى : " وآتوا الزكاة " ( 4 ) [ النور : 56 ] إنه وكالة ، فإن الله تعالى ضمن الرزق لكل دابة وخص الأغنياء بالأغذية وأوعز إليهم بأن رزق الفقراء عندهم ، وأمر بتسليمه إليهم مقدارا معلوما في وقت معلوم ، دبره بعلمه ، وأنفذه
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 28 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 6 وص 99 . ( 3 ) راجع ج 18 ص 206 . ( 4 ) راجع ج 12 ص 7 وص 99 . ( 5 ) راجع ج 7 ص 301 فما بعد .