تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
يتدبرون ، وكانوا كمن لا يبصر ولا يسمع ، فلما تنبهوا في الآخرة صاروا حينئذ كأنهم سمعوا وأبصروا . وقيل : أي ربنا لك الحجة ، فقد أبصرنا رسلك وعجائب خلقك في الدنيا ، وسمعنا كلامهم فلا حجة لنا . فهذا اعتراف منهم ، ثم طلبوا أن يردوا إلى الدنيا ليؤمنوا . قوله تعالى : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ( 13 ) قال محمد بن كعب القرظي : لما قالوا : " ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " رد عليهم بقوله : " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " يقول : لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد " ولكن حق القول مني " الآية ، ذكره ابن المبارك في ( رقائقه ) في حديث طويل . وقد ذكرناه في { التذكرة } . النحاس : " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " في معناه قولان : أحدهما : أنه في الدنيا . والآخر : أن سياق الكلام يدل على أنه في الآخرة ، أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا " ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " أي حق القول مني لأعذبن من عصاني بنار جهنم . وعلم الله تبارك وتعالى [ أنه ] لو ردهم لعادوا ، كما قال تعالى : " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " [ الانعام : 28 ] . وهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب . وتأويل المعتزلة : ولو شئنا لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة ، لكن لا يحسن منه فعله ، لأنه ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله المكلف باختياره . وقالت الامامية في تأويلها : إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة ولم يعاقب أحدا ، لكن حق القول منه أنه يملا جهنم ، فلا يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها ، قالوا : بل الواجب هداية المعصومين ، فأما من له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله . وفي جواز ذلك منع ، لقطعهم على أن المراد هداها إلى الايمان . وقد تكلم