تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
من حكمه ، وقدره بحكمته . والاحكام لا تتعلق بالألفاظ إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة ، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلق عليها . ألا ترى أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى ، وقد قال تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " ( 1 ) [ التوبة : 111 ] ولا يقال : هذه الآية دليل على جواز مبايعة السيد لعبده ، لان المقصدين مختلفان . أما إنه إذا لم يكن بد من المعاني فيقال : إن هذه الآية دليل على أن للقاضي أن يستنيب من يأخذ الحق ممن هو عليه قسرا دون أن يكون له في ذلك فعل ، أو يرتبط به رضا إذا وجد ذلك . قوله تعالى : لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ( 12 ) قوله تعالى : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ) ابتداء وخبر . قال الزجاج : والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة لامته . والمعنى : ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب . ومذهب أبي العباس غير هذا ، وأن يكون المعنى : يا محمد ، قل للمجرم ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك . " ناكسو رؤوسهم " أي من الندم والخزي والحزن والذل والغم . " عند ربهم " أي عند محاسبة ربهم وجزاء أعمالهم . " ربنا " أي يقولون ربنا . " أبصرنا " أي أبصرنا ما كنا نكذب . " وسمعنا " ما كنا ننكر . وقيل : " أبصرنا " صدق وعيدك . " وسمعنا " تصديق رسلك . أبصروا حين لا ينفعهم البصر ، وسمعوا حين لا ينفعهم السمع . " فأرجعنا " أي إلى الدنيا . " نعمل صالحا إنا موقنون " أي مصدقون بالبعث ، قاله النقاش . وقيل : مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق ، قاله يحيى بن سلام . قال سفيان الثوري : فأكذبهم الله تعالى : فقال " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون " ( 2 ) . وقيل : معنى " إنا موقنون " أي قد زالت عنا الشكوك الآن ، وكانوا يسمعون ويبصرون في الدنيا ، ولكن لم يكونوا
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 266 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 6 ص 409 فما بعد .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 95 | القرطبي