تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
قوله تعالى : ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين ، ومجوز أن تكون من العلم . وقال الحسن وغيرهما : مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . وقيل : هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها . والأول أصح ، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة ، فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة : وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد ، وتطيب نفوس الاحياء فيها . وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب . وقال أبو العالية : نهار الجنة هكذا ، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر . أبو عبيدة : الظل بالغداة والفئ بالعشى ، لأنه يرجع بعد زوال الشمس ، سمى فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب . قال الشاعر ، وهو حميد بن ثور يصف سرحة ( 1 ) وكنى بها عن امرأة : فلا الظل من برد الضحا تستطيعه * ولا الفئ من برد العشى تذوق وقال ابن السكيت : الظل ما نسخته الشمس والفئ ما نسخ الشمس . وحكى أبو عبيدة عن رؤية قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فئ وظل ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل . ( ولو شاء لجعله ساكنا ) أي دائما مستقرا لا تنسخه الشمس . ابن عباس : يريد إلى يوم القيامة ، وقيل : المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع . ( ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ) أي جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شئ ومعنى ، لان الأشياء تعرف بأضدادها ولولا الشمس ما عرف الظل ، ولولا النور ما عرفت الظلمة . فالدليل فعيل بمعنى الفاعل . وقيل : بمعنى المفعول كالقتيل والدهين والخضيب . أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به ، أي أتبعناها إياه . فالشمس دليل أي حجة وبرهان ، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه . ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم ، كما يقال : الشمس برهان والشمس حق . ( ثم قبضناه ) يريد ذلك الظل الممدود . ( إلينا قبضا يسيرا ) أي يسيرا قبضه علينا . وكل أمر ربنا عليه يسير . فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع
هامش
( 1 ) السرحة : واحدة السرح ، وهو شجر كبار عظام لا ترعى وإنما يستظل فيه .