تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
ويقول الشاعر : خليلي هل في نظرة بعد توبة * أداوى بها قلبي على فجور إلى رجح الأكفال غيد ( 1 ) من الظبا * عذاب الثنايا ريقهن طهور فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر . وتقول العرب : رجل نؤوم وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره ، وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه . ولقد أجاب علماؤنا عن هذا فقالوا : وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب وعن خسائس الصفات كالغل والحسد ، فإذا شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض الذنوب وأوضار الاعتقادات الذميمة ، فجاءوا الله بقلب سليم ، ودخلوا الجنة بصفات التسليم ، وقيل لهم حينئذ : " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " . ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء كانت تلك حكمته في الآخرة . وأما قول الشاعر : * . . . ريقهن طهور * فإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية لعذوبته وتعلقه بالقلوب ، وطيبه في النفوس ، وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه الماء الطهور ، وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازاة الشعرية ، فإن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب ، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية ، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون . ألا ترى إلى قول بعضهم : ولو لم تلامس صفحة الأرض رجلها * لما كنت أدرى علة للتيمم وهذا كفر صراح ، نعوذ بالله منه . قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا منتهى لباب كلام العلماء ، وهو بالغ في فنه ، إلا أنى تأملت من طريق العربية فوجدت فيه
هامش
( 1 ) في ابن العربي واللسان مادة رجح " : * إلى رجح الأكفال هيف خصورها * وامرأة رجاح وراجح ، ثقيلة العجيزة ، من نسوة رجح .