تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
أي أفسدتك . وقال أبو عمرو : أفرحه الدين أثقله . وأنشده : إذا أنت . . . البيت . وأفرحه سره فهو مشترك . قال الزجاج : والفرحين والفارحين سواء . وفرق بينهما الفراء فقال : معنى الفرحين الذين هم في حال فرح ، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل . وزعم أن مثله طمع وطامع وميت ومائت . ويدل على خلاف ما قال قول الله عز وجل : " إنك ميت وإنهم ميتون " ولم يقل مائت . وقال مجاهد أيضا : معنى " لا تفرح " لا تبغ " إن الله لا يحب الفرحين " أي الباغين . وقال ابن بحر : لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين . قوله تعالى : ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) أي أطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة ، فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي . قوله تعالى : ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) اختلف فيه ، فقال ابن عباس والجمهور : لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك ، إذ الآخرة إنما يعمل لها ، فنصيب الانسان عمره وعمله الصالح فيها . فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة . وقال الحسن وقتادة : معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ، ونظرك لعاقبة دنياك . فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الامر الذي يشتهيه . وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة ، قاله ابن عطية . قلت : وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله : احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا وعن الحسن : قدم الفضل ، وأمسك ما يبلغ . وقال مالك : هو الأكل والشرب بلا سرف . وقيل : أراد بنصيبه الكفن . فهذا وعظ متصل ، كأنهم قالوا : لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن . ونحو هذا قول الشاعر : نصيبك مما تجمع الدهر كله * رداء ان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر : وهي القناعة لا تبغي بها بدلا * فيها النعيم وفيها راحة البدن أنظر لمن ملك الدنيا بأجمعها * هل راح منها بغير القطن والكفن قال ابن العربي : وأبدع ما فيه عندي قول قتادة : ولا تنس نصيبك الحلال ، فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا . ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) أي طع الله وأعبده كما أنعم عليك .