تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
قرية أفسدوها " . " أذلة " قد سلبوا ملكهم وعزهم . " وهم صاغرون " أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا ، فرجع إليها رسولها فأخبرها ، فقالت : قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبي من أنبياء الله . ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض ، في آخر قصر من سبعة قصور ، وغلقت الأبواب ، وجعلت الحرس عليه ، وتوجهت إليه في اثنى عشر ألف قيل من ملوك اليمن ، تحت كل قيل مائة ألف . قال ابن عباس : وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشئ حتى يكون هو الذي يسأل عنه ، فنظر ذات يوم رهجا ( 1 ) قريبا منه ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : بلقيس يا نبي الله . فقال سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره للجن - ( أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) وقال عبد الله بن شداد . كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال : " أيكم يأتيني بعرشها " وكانت خلفت عرشها بسبأ ، ووكلت به حفظة . وقيل : إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص ( 2 ) سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك ، فلما علم ذلك قال : " أيكم يأتيني بعرشها " . قال ابن عباس : كان أمره بالاتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها ، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش . وقال ابن عطية : وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجئ هديتها ورده إياها ، وبعثه الهدهد بالكتاب ، وعلى هذا جمهور المتأولين . واختلفوا في فائد استدعاء عرشها ، فقال قتادة : ذكر له بعظم وجودة ، فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الاسلام ويحمى أموالهم ، والاسلام على هذا الدين ، وهو قول ابن جريج . وقال ابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله ، ويجعله دليلا على نبوته ، لاخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب ، و " مسلمين " على هذا التأويل بمعنى مستسلمين ، وهو قول ابن عباس . وقال ابن زيد أيضا : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال : " نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي " . وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد ، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان
هامش
( 1 ) الرهج : الغبار . ( 2 ) المغافصة : الاخذ على غرة