تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
الرابعة - قوله تعالى : ( لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه ) دليل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد ، أما أنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة . روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه . قال ابن جريج : ريشه أجمع . وقال يزيد بن رومان : جناحاه . فعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا على العاصين ، وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته ، وكأن الله أباح له ذلك ، كما أباح ذبح البهائم والطير للاكل وغيره من المنافع . والله أعلم . وفي " نوادر الأصول " قال : حدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الأيادي ، قال حدثنا عون بن عمارة ، عن الحسين الجعفي ، عن الزبير بن الخريت ، عن عكرمة ، قال : إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه . وسيأتي . وقيل : تعذيبه أن يجعل مع أضداده . وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد وقيل : لألزمنه خدمة أقرانه . وقيل : إيداعه القفص . وقيل : بأن يجعله للشمس بعد نتفه . وقيل : بتبعيده عن خدمتي ، والملوك يؤدبون بالهجران الجسد بتفريق إلفه . وهو مؤكد بالنون الثقيلة ، وهي لازمة هي أو الخفيفة . قال أبو حاتم : ولو قرئت " لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه " جاز . ( أو ليأتيني بسلطان مبين ) أي بحجة بينة . وليست اللام في " ليأتيني " لام القسم لأنه لا يقسم سليمان على فعل الهدهد ، ولكن لما جاء في أثر قوله : " لأعذبنه " وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه . وقرأ ابن كثير وحده : " ليأتينني " بنونين . الخامسة - قوله تعالى : ( فمكث غير بعيد ) أي الهدهد . والجمهور من القراء على ضم الكاف ، وقرأ عاصم وحده بفتحها . ومعناه في القراءتين أقام . قال سيبويه : مكث يمكث مكوثا كما قالوا قعد يقعد قعودا . قال : ومكث مثل ظرف . قال غيره : والفتح أحسن لقوله تعالى : " ماكثين " إذ هو من مكث ، يقال : مكث يمكث فهو ماكث ، ومكث يمكث مثل عظم يعظم فهو مكيث ، مثل عظيم . ومكث يمكث فهو ماكث ، مثل حمض يحمض فهو حامض . والضمير في " مكث " يحتمل أن يكون لسليمان ، والمعنى : بقي سليمان بعد التفقد والوعيد غير طويل أي غير وقت طويل . ويحتمل أن يكون للهدهد وهو الأكثر . فجاء : " فقال أحطت بما لم تحط به " وهي :
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 180 | القرطبي