كان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه بنفسه ، فقد دل القرآن والسنة وبينا ما يجب
على الامام من تفقد أحوال رعيته ، ومباشرة ذلك بنفسه ، والسفر إلى ذلك وإن طال .
ورحم الله ابن المبارك حيث يقول :
وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها ( 1 )
الثالثة - قوله تعالى : ( ما لي لا أرى الهدهد ) أي ما للهدهد لا أراه ، فهو من
القلب الذي لا يعرف معناه . وهو كقولك : مالي أراك كئيبا . أي مالك . والهدهد طير
معروف وهدهدته صوته . قال ابن عطية : إنما مقصد الكلام الهدهد غاب لكنه أخذ
اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه ، فاستفهم على جهة التوقيف على اللازم وهذا ضرب من
الايجاز . والاستفهام الذي في قوله : " مالي " ناب مناب الألف التي تحتاجها أم . وقيل :
إنما قال : " مالي لا أرى الهدهد " ، لأنه اعتبر حال نفسه ، إذ علم أنه أوتي الملك العظيم ،
وسخر له الخلق ، فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العدل ، فلما فقد نعمة الهدهد
توقع أن يكون قصر في حق الشكر ، فلأجله سلبها فجعل يتفقد نفسه ، فقال : " مالي " . قال
ابن العربي : وهذا يفعله شيوخ الصوفية إذا فقدوا مالهم ( 2 ) ، تفقدوا أعمالهم ، هذا في الآداب ،
فكيف بنا اليوم ونحن نقصر في الفرائض ! . وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم والكسائي
وهشام وأيوب : " مالي " بفتح الياء وكذلك في " يس " " ومالي لا أعبد الذي فطرني " .
وأسكنها حمزة ويعقوب . وقرأ الباقون المدنيون وأبو عمرو : بفتح التي في " يس " وإسكان
هذه . قال أبو عمرو : لأن هذه التي في " النمل " استفهام ، والأخرى انتفاء . واختار
أبو حاتم وأبو عبيد الاسكان " فقال مالي " . وقال أبو جعفر النحاس : زعم قوم أنهم أرادوا
أن يفرقوا بين ما كان مبتدأ ، وبين ما كان معطوفا على ما قبله ، وهذا ليس بشئ ، وإنما
هي ياء النفس ، من العرب من يفتحها ومنهم من يسكنها ، فقرؤوا باللغتين ، واللغة الفصيحة
في ياء النفس أن تكون مفتوحة ، لأنها اسم وهي على حرف واحد ، وكان الاختيار ألا تسكن
فيجحف بالاسم . " أم كان من الغائبين " بمعنى بل .
هامش
( 1 ) في بعض النسخ : " ورهبانا " .
( 2 ) في أحكام القرآن لابن العربي : " إذا فقدوا آمالهم . . . الخ " .