تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
كان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه بنفسه ، فقد دل القرآن والسنة وبينا ما يجب على الامام من تفقد أحوال رعيته ، ومباشرة ذلك بنفسه ، والسفر إلى ذلك وإن طال . ورحم الله ابن المبارك حيث يقول : وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها ( 1 ) الثالثة - قوله تعالى : ( ما لي لا أرى الهدهد ) أي ما للهدهد لا أراه ، فهو من القلب الذي لا يعرف معناه . وهو كقولك : مالي أراك كئيبا . أي مالك . والهدهد طير معروف وهدهدته صوته . قال ابن عطية : إنما مقصد الكلام الهدهد غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه ، فاستفهم على جهة التوقيف على اللازم وهذا ضرب من الايجاز . والاستفهام الذي في قوله : " مالي " ناب مناب الألف التي تحتاجها أم . وقيل : إنما قال : " مالي لا أرى الهدهد " ، لأنه اعتبر حال نفسه ، إذ علم أنه أوتي الملك العظيم ، وسخر له الخلق ، فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العدل ، فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصر في حق الشكر ، فلأجله سلبها فجعل يتفقد نفسه ، فقال : " مالي " . قال ابن العربي : وهذا يفعله شيوخ الصوفية إذا فقدوا مالهم ( 2 ) ، تفقدوا أعمالهم ، هذا في الآداب ، فكيف بنا اليوم ونحن نقصر في الفرائض ! . وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم والكسائي وهشام وأيوب : " مالي " بفتح الياء وكذلك في " يس " " ومالي لا أعبد الذي فطرني " . وأسكنها حمزة ويعقوب . وقرأ الباقون المدنيون وأبو عمرو : بفتح التي في " يس " وإسكان هذه . قال أبو عمرو : لأن هذه التي في " النمل " استفهام ، والأخرى انتفاء . واختار أبو حاتم وأبو عبيد الاسكان " فقال مالي " . وقال أبو جعفر النحاس : زعم قوم أنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان مبتدأ ، وبين ما كان معطوفا على ما قبله ، وهذا ليس بشئ ، وإنما هي ياء النفس ، من العرب من يفتحها ومنهم من يسكنها ، فقرؤوا باللغتين ، واللغة الفصيحة في ياء النفس أن تكون مفتوحة ، لأنها اسم وهي على حرف واحد ، وكان الاختيار ألا تسكن فيجحف بالاسم . " أم كان من الغائبين " بمعنى بل .
هامش
( 1 ) في بعض النسخ : " ورهبانا " . ( 2 ) في أحكام القرآن لابن العربي : " إذا فقدوا آمالهم . . . الخ " .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 179 | القرطبي