تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الثانية - قرأ الحسن : " لا يحطمنكم " وعنه أيضا " لا يحطمنكم " وعنه أيضا وعن أبي رجاء : " لا يحطمنكم " والحطم الكسر . حطمته حطما أي كسرته وتحطم ، والتحطيم التكسير ، " وهم لا يشعرون " يجوز أن يكون حالا من سليمان ، وجنوده ، والعامل في الحال " يحطمنكم " . أو حالا من النملة والعامل " قالت " . أي قالت ذلك في حال غفلة الجنود ، كقولك : قمت والناس غافلون . أو حالا من النمل أيضا والعامل " قالت " على أن المعنى : والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها . وفيه بعد وسيأتي . الثالثة - روى مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح " وفي طريق آخر : " فهلا نملة واحدة " . قال علماؤنا : يقال إن هذا النبي هو موسى عليه السلام ، وإنه قال : يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع . فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده ، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها ، وعندها قرية النمل ، فغلبه النوم ، فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته ، فدلكهن بقدمه فأهلكهن ، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم ، فأراه الله العبرة في ذلك آية : لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتها ! يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة ، وشرا ونقمة على العاصي . وعلى هذا فليس في الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر في قتل النمل ، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك ، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن ، وقد أبيح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار ، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت لك وسلطت عليها ، فإذا آذاك أبيح لك قتله . وروى عن إبراهيم : ما آذاك من النمل فاقتله . وقوله : " ألا نملة واحدة " دليل على أن الذي يؤذى يؤذى ويقتل ، وكلما كان القتل لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء . وأطلق له نملة ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها ، لأنه ليس المراد القصاص ، لأنه لو أراده لقال ألا نملتك التي لدغتك ، ولكن قال : ألا نملة مكان نملة ، فعم البرئ