تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
واحدة منهم باسم علم ، لأنه لا يتميز للآدميين بعضهم من بعض ، ولا هم أيضا واقعون تحت ملكة بني آدم كالخيل والكلاب ونحوها ، فإن العلمية فيما كان كذلك موجودة عند العرب . فإن قلت : إن العلمية موجودة في الأجناس كثعالة وأسامة وجعار وقثام في الضبع ونحو هذا كثير ، فليس اسم النملة من هذا ، لأنهم زعموا أنه اسم علم لنملة واحدة معينة من بين سائر النمل ، وثعالة ونحوه لا يختص بواحد من الجنس ، بل كل واحد رأيته من ذلك الجنس فهو ثعالة ، وكذلك أسامة وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك . فإن صح ما قالوه فله وجه ، وهو أن تكون هذه النملة الناطقة قد سميت بهذا الاسم في التوراة أو في الزبور أو في بعض الصحف سماها الله تعالى بهذا الاسم ، وعرفها به الأنبياء قبل سليمان أو بعضهم . وخصت بالتسمية لنطقها وإيمانها فهذا وجه . ومعنى قولنا بإيمانها أنها قالت للنمل : ( لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) فقولها : " وهم لا يشعرون " التفاتة مؤمن . أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا . وقد قيل : إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها ، ولذلك أكد التبسم بقوله : " ضاحكا " إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا ، ألا تراهم يقولون تبسم تبسم الغضبان وتبسم تبسم المستهزئين . وتبسم الضحك إنما هو عن سرور ، ولا يسر نبي بأمر دنيا ، وإنما سر بما كان من أمر الآخرة والدين . وقولها : " وهم لا يشعرون " إشارة إلى الدين والعدل والرأفة . ونظير قول النملة في جند سليمان " وهم لا يشعرون " قول الله تعالى في جند محمد صلى الله عليه وسلم : " فتصيبكم منهم معرة بغير علم " . التفاتا إلى أنهم لا يقصدون هدر مؤمن . إلا أن المثني على جند سليمان هي النملة بإذن الله تعالى ، والمثني على جند محمد صلى الله عليه وسلم هو الله عز وجل بنفسه ، لما لجنود محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل على جند غيره من الأنبياء ، كما لمحمد صلى الله عليه وسلم فضل على جميع النبيين صلى الله عليهم وسلم أجمعين . وقرأ شهر بن حوشب : " مسكنكم " بسكون السين على الافراد . وفي مصحف أبي " مساكنكن لا يحطمنكم " . وقرأ سليمان التيمي " مساكنكم لا يحطمنكن " ذكره النحاس ، أي لا يكسرنكم بوطئهم عليكم وهم لا يعلمون بكم