تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
قال المهدوي : وأفهم الله تعالى النملة هذا لتكون معجزة لسليمان . وقال وهب : أمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد بشئ إلا طرحته في سمع سليمان ، بسبب أن الشياطين أرادت كيده . وقد قيل : إن هذا الوادي كان ببلاد اليمن وأنها كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد ، قاله الكلبي . وقال نوف الشامي وشقيق بن سلمة : كان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم . وقال بريدة الأسلمي : كهيئة النعاج . قال محمد بن علي الترمذي : فإن كان على هذه الخلقة فلها صوت ، وإنما افتقد صوت النمل لصغر خلقها ، وإلا فالأصوات في الطيور والبهائم كائنة ، وذلك منطقهم ، وفي تلك المناطق معاني التسبيح وغير ذلك ، وهو قوله تعالى : " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " . قلت : وقوله " لا يحطمنكم " يدل على صحة قول الكلبي ، إذ لو كانت كهيئة الذئاب والنعاج لما حطمت بالوطئ ، والله أعلم . وقال : " ادخلوا مساكنكم " فجاء على خطاب الآدميين لان النمل هاهنا أجرى مجرى الآدميين حين نطق كما ينطق الآدميون . قال أبو إسحاق الثعلبي : ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال لها لم حذرت النمل ؟ أخفت ظلمي ؟ أما علمت أنى نبي عدل ؟ فلم قلت : " يحطمنكم سليمان وجنوده " فقالت النملة : أما سمعت قولي " وهم لا يشعرون " مع أنى لم أرد حطم النفوس ، وإنما أردت حطم القلوب خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت ، أو يفتتن بالدنيا ، ويشغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر . فقال لها سليمان : عظيني . فقالت النملة : أما علمت لم سمى أبوك داود ؟ قال : لا . قالت : لأنه داوى جراحة فؤاده ، هل علمت لم سميت سليمان ؟ قال : لا . قالت : لأنك سليم الناحية على ما أوتيته بسلامة صدرك ، وإن لك أن تلحق بأبيك ( 1 ) . ثم قالت : أتدري لم سخر الله لك الريح ؟ قال : لا . قالت : أخبرك أن الدنيا كلها ريح . ( فتبسم ضاحكا من قولها ) متعجبا ثم مضت مسرعة إلى قومها ، فقالت : هل عندكم من شئ نهديه إلى
هامش
( 1 ) العبارة في " قصص الأنبياء " للثعلبي : " قالت لأنك سليم ركنت إلى ما أوتيت بسلامة صدرك ، وحق لك أن تلحق بأبيك داود " .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 171 | القرطبي