إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) وما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
شرح
أصله « يهتدي » من باب « الانفعال » ، قلبت « التاء » « دالا » وأسقطت همزة الوصل من أوله ، لنقل حركة التاء إلى الهاء ، فصار « هدّى » « يهدّي » والمعنى : هل الله أحق بالاتباع أم من لا يهتدي * ( إِلَّا أَنْ يُهْدى ) * فمن يحتاج إلى الاهتداء لا يصلح أن يتخذ ربا ، فالمسيح عليه السّلام وإن كان نبيا عظيما إلَّا أنه ينطبق عليه هذا الوصف ، إذ لا يهتدي إلا بهداية الله سبحانه . أما الأصنام فهي أبعد ، إذ أنها جمادات لا تهتدي حتى إذا أرادوا هدايتها .
وكأن القرآن جرى في هذا الاحتجاج مجرى المسلَّم من خصمه ببعض مقدماته ليرد عليه حتى على ذلك الفرض ، والمشركون كانوا قد فرضوا عقلا للأصنام وأنها تشعر * ( فَما لَكُمْ ) * أيها المشركون ، والمعنى : ما هو سبب قولكم بغير الحق ، وأنتم تعلمون * ( كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * بأن هذه الأصنام آلهة بعد ما قامت الحجة على بطلانها .
[ 37 ] * ( وما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ) * أي أن أكثر هؤلاء المشركين إنما يتبعون الظنون في اعتقادهم بألوهية الأصنام ، فإنهم لا يتيقنون بذلك جزما ، إنما رأوا آباءهم عبدوها ، فظنوا بصحتها تقليدا ، والحال * ( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) * فإن الظن ترجيح أحد الطرفين ، وهذا ليس بواقع ولا معذّر ، أما أنه ليس بواقع ، فلأن الواقع لا يتبع أداء الأشخاص ، وأما أنه ليس بمعذّر فلأن العقلاء الملتفتين لا يعتمدون عليه في الأمور المهمة ، وهذا بخلاف القطع فإنه إن حصل من