حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ ( 29 )
شرح
وصف ل « الذين لا يؤمنون » * ( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) * هي « فعلة » من « جزى يجزي » مثل « العقدة » و « الجلسة » ، وهي عطية مخصوصة ، كأنها جزاء لهم على بقائهم على الكفر ، أو جزاء للمسلمين عوض حمايتهم لهم ، فإن الذمي في بلاد الإسلام يكون محترم المال والنفس موفّر الحرمة والكرامة * ( عَنْ يَدٍ ) * أي يسلمونها بأيديهم ، كما يقال : « كلمته وجها بوجه » * ( وهُمْ صاغِرُونَ ) * أي أذلاء من « الصغار » .
إن أهل الكتاب حيث انحرفت عقيدتهم حتى جعلوا الخرافة في معتقدهم ، وحيث حرفوا كتبهم حتى نسبوا الزنا والكفر وشرب الخمر والقسوة وشبهها إلى أنبيائهم ، وحيث هدموا نظم الله سبحانه ليجعلوا مكانها أنظمة مخترعة ، استحق الإسلام أن يشعرهم بشيء من الذلة ليتركوا الباطل إلى الحق ، فإن الإنسان لا يرضى أن يبقى ذليلا ، لكنه احترمهم حيث أقرّ بهم وسمح لهم بالبقاء تحت ظله ، باحترام اسم الكتاب ، وهذا الإذلال لا ينافي الحرية في شيء ، أرأيت من ينحرف في سلوك أو أخلاق هل يستحق ما يستحقه المستقيم ؟ وليس الميزان في تقييم الإنسان الذي يراعي جهتي المادة والروح واقعا ، هو النظر إلى صورته البشرية ، بل الصورة والسيرة ، فمن انحرفت سيرته لم تنفعه صورته .
فهرب بعض المفسرين ومن إليهم عن الحكم على طبق هذه الآية أو ما أشبهها خروج عن الواقع الإسلامي ، كما هو خروج عن الموازين البشرية الرفيعة التي تجعل للروح قسطا في تقييم الإنسان كما أن للبدن قسطا .
[ 30 ] ثم بيّن سبحانه طرفا من أقوال أهل الكتاب وافتراءاتهم على الله