فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً
شرح
القرآن الحكيم كشاهد مسيطر يدل على مواقع الخطأ والصواب من الكتب السابقة ، كل ما حرفوه دل عليه وكل ما زادوا أو أنقصوا منهما أشار إليه ، وذلك لأن القرآن يبيّن كليات العقائد وأصول العبادة والمعاملة والأخلاق ، وفي الكتب السابقة مواقع كثيرة قد زاغت عن الحق بأيادي أثيمة ، يدل عليها القرآن ويشير إليها * ( فَاحْكُمْ ) * يا رسول اللَّه * ( بَيْنَهُمْ ) * أي بين أهل الكتب السالفة ، أو بين اليهود * ( بِما أَنْزَلَ اللَّه ) * من الأحكام ، ومنها في رجم زنا المحصن ، وقتل القاتل * ( ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) * أي ما يشتهون من خلاف حكم اللَّه ، فقد أحبوا أن يحكم الرسول بخلاف الحق ، فيفتي بجلد المحصن الزاني ، ودية القاتل * ( عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ) * أي لا تزغ عما جاءك ، فإن معنى اتباع أهوائهم : الزيغ عن الحق . وكثيرا ما يشبه فعل معنى فعل آخر فيتعدى الفعل الأول بما يتعدى به الفعل الثاني ، كما ذكره « المغني » .
ولما كان المقام يوهم اتحاد الديانات من جميع الحيثيات حيث أن الآيات السابقة أفادت تصديق كل نبي وكتاب لما سبقه ، فأية حاجة إذا لإيمان اليهود والنصارى بالنبي والقرآن ، تعرّض السياق إلى اختلاف الشرائع والمناهج في الخصوصيات والمزايا وإن اتحد الجميع في الأصول والجوهر * ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ ) * أي لكل أمة منكم أيها اليهود والنصارى والمسلمون جميعا جعلنا * ( شِرْعَةً ) * أي طريقة * ( ومِنْهاجاً ) * « الشرعة » أول الطريق ، و « المنهاج » الطريق المستقيم الذي يلزمه