الاستفهام ، وهو دليل العقل الدال على أن الله تعالى لا يضل العباد عن
الدين . ودليل العقل أقوى مما يكون في الكلام دالا على حرف الاستفهام .
وهذا ليس بشئ ، لأن دليل العقل وإن كان أقوى من كل دليل يصحب
الكلام ، فإنه ليس يقتضي في الآية أن يكون حرف الاستفهام منها محذوفا لا
محالة . لأن العقل إنما يقتضي تنزيه الله تعالى عن أن يكون مجربا بشئ من
أفعاله إلى إضلال العباد عن الدين ، وقد يمكن صرف الآية إلى ما يطابق دليل
العقل من تنزيهه تعالى عن القبيح ، من غير أن يذكر الاستفهام ويحذف
حرفه . وإذا كان ذلك ممكنا لم يكن في العقل دليل على حذف حرف
الاستفهام ، وإنما يكون فيه دليل على ذلك لو كان يتعذر تنزيهه تعالى عن
إرادة الضلال ، إلا بتقدير الاستفهام .
فأما قوله تعالى : ( فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) ( 1 ) فأجود ما
قيل فيه أنه عطف على قوله ( ليضلوا ) وليس بجواب لقوله ( ربنا اطمس على
أموالهم واشدد على قلوبهم ) ( 2 ) وتقدير الكلام ( ربنا إنك أتيت فرعون وملأه
زينة وأموالا في الحياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك ، ربنا اطمس على
أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم . ) وهذا
الجواب يطابق أن يكون اللام للعاقبة ، وأن يكون المعنى فيها لئلا يضلوا
أيضا .
وقال قوم إنه أراد ( فلن يؤمنوا ) فأبدل الألف من النون الخفيفة .
كما قال الأعشى :
وصل علي حين العشيات والضحى * ولا تحمد المثرين والله فاحمدا
أراد فاحمدن ، فأبدل النون ألفا ، وكما قال عمر بن أبي ربيعة :
وقمير بدا ابن خمس وعشرين * له قالت الفتاتان قوما
هامش
( 1 ) يونس الآية 88
( 2 ) يونس الآية 88