تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
والاسلام دين فطرى لا هم له إلا احياء آثار الفطرة التي أعفتها الجهالة الانسانية ، فلا مناص من أن يستباح به ما تهدى إليه الخلقة وتقضى به الفطرة . وهو كما يحيى بالتشريع هذا الحكم الفطري يحيى أحكاما أخرى وضعها واضع التكوين ، وهو ما تقدم ذكره من الموانع من الاسترسال في حكم التغذي أعني حكم العقل بوجوب اجتناب ما فيه ضرر جسماني أو معنوي من اللحوم ، وحكم الاحساسات والعواطف الباطنية بالتحذر والامتناع عما يستقذره ويتنفر منه الطباع المستقيمة ، وهذان الحكمان أيضا ينتهى أصولهما إلى تصرف من التكوين ، وقد اعتبرهما الاسلام فحرم ما يضر نماء الجسم ، وحرم ما يضر بمصالح المجتمع الانساني ، مثل ما أهل به لغير الله ، وما اكتسب من طريق الميسر والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك ، وحرم الخبائث التي تستقذرها الطباع . وأما حديث الرحمة المانعة من التعذيب والقتل فلا شك أن الرحمة موهبة لطيفة تكوينية أودعت في فطرة الانسان وكثير مما اعتبرنا حاله من الحيوان ، إلا أن التكوين لم يوجدها لتحكم في الأمور حكومة مطلقة وتطاع طاعة مطلقة ، فالتكوين نفسه لا يستعمل الرحمة استعمالا مطلقا ، ولو كان ذلك لم يوجد في دار الوجود أثر من الآلام والاسقام والمصائب وأنواع العذاب . ثم الرحمة الانسانية في نفسها ليست خلقا فاضلا على الاطلاق كالعدل ، ولو كان كذلك لم يحسن أن نؤاخذ ظالما على ظلمه أو نجازى مجرما على جرمه ولا أن نقابل عدوانا بعدوان ، وفيه هلاك الأرض ومن عليها . ومع ذلك لم يهمل الاسلام أمر الرحمة بما أنها من مواهب التكوين ، فأمر بنشر الرحمة عموما ، ونهى عن زجر الحيوان في القتل ، ونهى عن قطع أعضاء الحيوان المذبوح وسلخه قبل زهاق روحه - ومن هذا الباب تحريم المنخنقة والموقوذة - ونهى عن قتل الحيوان وآخر ينظر إليه ووضع للتذكية أرفق الاحكام بالحيوان المذبوح وأمر بعرض الماء عليه ، ونحو ذلك مما يوجد تفصيله في كتب الفقه . ومع ذلك كله الاسلام دين التعقل لا دين العاطفة فلا يقدم حكم العاطفة على الاحكام المصلحة لنظام المجتمع الانساني ولا يعتبر منه إلا ما اعتبره العقل ، ومرجع ذلك