إلى اتباع حكم العقل . وأما حديث الرحمة الإلهية وأنه تعالى أرحم الراحمين ، فهو تعالى غير متصف
بالرحمة بمعنى رقة القلب أو التأثر الشعوري الخاص الباعث للراحم على التلطف بالمرحوم ،
فإن ذلك صفة جسمانية مادية تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، بل معناها إفاضته تعالى الخير
على مستحقه بمقدار ما يستحقه ، ولذلك ربما كان ما نعده عذابا رحمة منه تعالى
وبالعكس ، فليس من الجائز في الحكمة أن يبطل مصلحة من مصالح التدبير في التشريع
اتباعا لما تقترحه عاطفة الرحمة الكاذبة التي فينا ، أو يساهل في جعل الشرائع محاذية
للواقعيات .
فتبين من جميع ما مر أن الاسلام يحاكى في تجويز أكل اللحوم وفي القيود التي قيد
بها الإباحة والشرائط التي اشترطها جميعا أمر الفطرة : فطرة الله التي فطر الناس عليها
لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ! .
3 - لما ذا بنى الاسلام على التذكية ؟ وهذا سؤال آخر يتفرع على السؤال المتقدم ،
وهو أنا سلمنا أن أكل اللحوم مما تبيحه الفطرة والخلقة فهلا اقتصر في ذلك بما يحصل
على الصدفة ونحوها بأن يقتصر في اللحوم بما يهيؤه الموت العارض حتف الانف ، فيجمع
في ذلك بين حكم التكوين بالجواز ، وحكم الرحمة بالامساك عن تعذيب الحيوان وزجره
بالقتل أو الذبح من غير أن يعدل عن ذلك إلى التذكية والذبح ؟ .
وقد تبين الجواب عنه مما تقدم في الفصل الثاني ، فإن الرحمة بهذا المعنى غير واجب
الاتباع بل اتباعه يفضى إلى إبطال أحكام الحقائق . وقد عرفت أن الاسلام مع ذلك لم
يأل جهدا في الامر بإعمال الرحمة قدر ما يمكن في هذا الباب حفظا لهذه الملكة اللطيفة
بين النوع .
على أن الاقتصار على إباحة الميتة وأمثالها مما لا ينتج التغذي به إلا فساد المزاج
ومضار الأبدان هو بنفسه خلاف الرحمة ، وبعد ذلك كله لا يخلو عن الحرج العام الواجب نفيه .
تفسير الميزان — صفحة 187
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٨٧